إعادة كتابة تاريخ السودان .. ضرورة ملحة
محمد الحبيب مدثر.
مجلة الخرطوم مارس 1993 - رمضان 1413 هـ
قرأت آخر كتاب صدر عن المطبعة السودانية بعنوان (الخليفة عبد الله) وهو الكتاب الخامس من سلسلة كتاب السودان الحديث " تأليف الصحفي عمر علي قسومة بقسم البحوث والمعلومات بدار الثقافة للطباعة والنشر. ولا مجال هنا للحديث عن الكتاب المذكور وربما عدة مرات أخرى للحديث عنه، لأنه كتاب نفيس. ما لفت نظري بين سطور الكتاب أن مؤلفه يعتبر المؤلف نعوم شقير "مصدر ثقة في هذا المجال" والمجال بالطبع هو تاريخ المهدية!! للقاريء أن ينظر في السطر 14 صفحة 17 من الكتاب المذكور. لعل الكثيرين لا يعلمون بأن هناك أربعة كتب وضعها أجانب لتشويه تاريخ السودان ومسخ صورة المهدية وأولها:

 كتاب (المهدية والسودان 1891) لمؤلفه رونالد رجنالد ونجت مدير قلم المخابرات الإنجليزية بمصر والذي رافق جيش كتشنر لغزو السودان وأصبح فيما بعد سردادراً (حاكم عام) للسودان. إذا كان الغزاة المستعمرون قد كسبوا معركة كرري بالتفوق في السلاح الناري وقضوا على أول دولة إسلامية مستقلة في افريقيا فإن رجنالد ونجت وعملاءه من السودانيين كان لهم دور رئيسي في هزيمة الجبهة الداخلية بإطلاق الإشاعات في أم درمان بغرض بلبلة أفكار الخليفة وربما كانت هي السبب الذي جعل الخليفة عبد الله يهاجم مدافع المكسيم في ساحة كرري وفي وضح النهار! أما الكتاب الثاني فهو:

 (أسر عشر سنوات في معسكر المهدي 1892) لمؤلفه الأب أوهرولدر الذي طلب منه نفس المدعو ونجت كتابة مذكراته في أسر المهدي بعد أن كان ينشر الدين المسيحي في جبال النوبة. كتب الأب أوهرولدر أصول الكتاب باللغة الألمانية. ويقول شقير بأن ونجت بك ألف منها كتابا بالإنجليزية نال رواجاً عظيماً في أوربا كلها لما لم يستجب أوهرولدر لطلب المخابراتي ونجت الذي كان قد أنقذه من الأسر؟ رتب ونجت وهو بالقاهرة هروب الأب من سجن أم درمان مع مطران النمسا في القاهرة يقول شقير في كتابه جغرافية وتاريخ السودان "فأرسلا إلى أم ردمان خبيراً من عبابدة السيالة يدعى أحمد حسن فأنقذ الأب أوهرولدر الذي أسر في جبل الدان وراهبتين من راهبات الأبيض. فخرج بهما من أم درمان في 29 نوفمبر سنة 1891 على أثر فتنة الأشراف ..." أما الكتاب الثالث فهو:

 (النار والسيف في السودان 1896) لمؤلفه سلاطين باشا الذي غش الخليفة عبد الله بإسلامه واختار له اسم عبد القادر وعاش معززاً في كنفه إلى أن دبر له ونجت من القاهرة أيضاً الهرب من أم درمان بمساعدة جعلي يدعى العجيل يقول نعوم شقير عن أهمية سلاطين "ومطلعاً على أسرار حكومة التعايشي فأوعز إليه ونجت بك فشرع حال وصوله في كتابة معلومات لغته الألمانية فأنشأ منها ونجت بك كتابا ثميناً في الإنجليزية ونشر ثم ترجم إلى أهم اللغات الأوربية وكان له عظيم شأن في أوربا" انتهى كلام نعوم شقير. معنى كلام شقير أن ونجت رجل المخابرات – الخطير وراء تأليف الكتابين المذكورين أعلاه، وهما كتابان أساءا إلى الخليفة وحكمه في أم درمان. يكفي أن نورد هنا تعليق الجاسوس نعوم شقير على الكتابين الآخرين وقد جاء (النار والسيف والسودان) بعد كتاب أوهرولدر محرضاً قوياً للحكومة المصرية على استرجاع السودان، انتهى التعليق لكن لاحظ إقحامه للحكومة المصرية بدل الحكومة الإنجليزية أليست هذه الطريقة في الصياغة التاريخية دليلاً ساطعاً على تزوير تاريخ السودان الذي اشتهر به شقير؟  الملاحظ أن ونجت تعمد إصدار هذه الكتب لاقناع الرأي العام الإنجليزي ومجلس العموم والملكة فكتوريا بغزو السودان. وقد تم له ذلك بتجريد حملة السردار كتشنر الذي اختار المخابراتي ونجت ليرافقه من القاهرة إلى الخرطوم فاتحاً!! أما الكتاب الرابع فهو كتاب الجاسوس نعوم شقير باسم:

 "جغرافية وتاريخ السودان"

 لا تعليق عليه لأنه صدر أيضاً بتعليمات من ونجت وجاء مليئاً بالمغالطات والأكاذيب. لكن جاء بعد هؤلاء المؤرخين المغرضين مؤرخون يحترمون أنفسهم ويلتزمون بالأمانة التاريخية من أمثال ب. م. هولت الذي ذكر في كتابه "الدولة المهدوية" نقلاً عن كتاب كرري نورد ما يلي: "هناك جانب أهمله الكتاب والمؤلفون الذين انحصرت نظراتهم المركزة على فظائع وأهوال عهد الخليفة عبد الله ألا وهو جانب الانجازات والإنشاء والتعمير فلم يكن عهد الخليفة عبد الله يمثل فترة مخيبة للآمال أعقبت فترة سني الثورة الذهبية فقط بل كان أيضاً فترة تنظيم وتعمير برز خلالها توازن دقيق للقوى والعوامل المختلفة..." ألا رعى الله الرائد عصمت حسن زلفو حين أبرز في متابه "كرري" المصادر السودانية والأجنبية التي قدمت تحليلاً خالياً من التشفي والانتقام وبعيداً عن الغرض الذي يعمي الأبصار عن الحقائق. فقد ترجم الكلام الذي أوردناه عن البروفيسور هولت كما أنه علق  على أثر أكاذيب سلاطين في أذهان الغربيين بقوله "لابد لنا من وقفة مع سلاطين فإلى عهد قريب كان لكتابات سلاطين أثر واضح في تكييف تصور العالم للخليفة والمهدية". ومضى زلفو يقول "وكان لكتابه السيف والنار في السودان أثر عالمي مدوٍ وخصوصاً في انجلترا. فقد صدم القراء من المعلومات والقصص الدموية والوحشية التي بالغ في وضعها فكان أن تحمس العالم لحملة كتشنر" وعلق زلفو على هذا الكلام بقوله " والنظرة الحديثة لكتابات سلاطين عن الخليفة عبد الله تعتبر الآن حتى بين المؤرخين الأوربيين كنوع من الدعاية الحربية: هذا يقودنا إلى ما سجله زلفو في كتابه عن المؤرخ السوداني المشهور محمد عبد الرحيم الذي تحدث عن الخليفة عبد الله بقوله " وعلى كل حال أقول انني لازمت الخليفة حيناً من الدهر وسبرت أخلاقه وصليت خلفه وسمعت وعظه ورأى فيه كمؤرخ يزن الأمور بميزان العدل أنه كان حكيماً حاذقاً ناسكاً بطلاً لا يهاب المكاره ولا تأخذه في الحق لومة لائم لا يغفر عن المسيء ويضرب على يد الظالم ولو كان من ذوي قرابته". هذه مقدمة قصدت بها أن أتحدث عن أهمية إعادة كتابة تاريخ السودان فمنذ أن نالت بلادنا استقلالها ظل المثقفون يتحدثون حول هذا الموضوع لكن لم يشاركهم المسئولون في العهود البائدة في الاهتمام به لأنهم عفا الله عنهم كانوا مشغولين بلعبة الكراسي. وللأسف المعروف في بلادنا ان كل أمر يجول في أذهان المثقفين لا يصبح حقيقة واقعة ولا يدخل في دائرة التنفيذ إلا إذا احتضنته الدولة وضمن في برامجها للتنفيذ وبحمد الله فقد أعلن قائد ثورة الانقاذ الوطني تبني الدولة لشعار إعادة كتابة تاريخ السودان وأصبح تنفيذ ذلك الشعار من صميم الاستراتيجية القومية الشاملة وتم بالفعل تكريم شهداء واقعة ام دبيكرات في احتفال كبير أقيم في الموقع وشمل التكريم تعمير ام دبيكرات. لا يفوتني هنا أن أشير إلى أن بعض المؤرخين بوازع من ضمائرهم انبروا لتصحيح بعض الجوانب وابراز العامل الوطني في تحليلاتهم وقد سبق أن ذكر الرائد (م) عصمت حسن زلفو الذي نقب في المتحف البريطاني بلندن لمدة عام وفي دار الوثائق المركزية وقدم لنا كتابا نادراً وهو كرري كما أعقبه بعد ذلك بكتاب آخر وهو شيكان. ولا بأس أن نذكر بعض المؤرخين السودانيين الذين التزموا الدقة التاريخية من أمثال محمد عبد الرحيم ويوسف فضل حسن ومحمد ابراهيم أبوسليم والتجاني عامر وضرار صالح ضرار إلا أن بعض المؤرخين كانوا قد تأثروا بكتابات الأجانب ولا داعي لذكر اسمائهم حين نتحدث عن إعادة كتابة التاريخ لا نقصد بالطبع إصدار الكتب التاريخية فقط، نعني أيضاً صنوف الكتابات التي عرفها عصرنا مثل الرواية والمسرحية والفيلم. فقد مضى الزمن الذي كان فيه التاريخ مادة للكتاب وحده، فهو الآن مادة للرواية (التي تهتم بالسرد) وبالمسرحية (التي تهتم بالحوار والحركة) وبالفلم (الذي يهتم بما تراه الكاميرا). لقد سمعنا وشاهدنا محاولات في أجهزة الإعلام تستخدم المادة التاريخية ولكن ما صدر عنها حتى الآن قليل للغاية، ونأمل تحت ظلال الاستراتيجية القومية الشاملة أن تزدهر هذه الأعمال سواء كانت في الراديو أو المسرح أو التلفزيون أو السينما.

تاريخ السودان من منظور فرنسي ترجمة اعداد: البروفسير محمد علي مختار الناشر: دار عزة للنشر ـ الخرطوم 2002 الصفحات: 70 صفحة من القطع الكبير عن دار عزة للنشر صدر كتاب تاريخ السودان من منظور فرنسي للمؤرخ والباحث الراحل البروفسير محمد علي مختار، وهو كتيب صغير في حجمه غني في مضمونه والمؤلف هنا يتحرر من اسار الدراسات النمطية في تاريخ السودان والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على المصادر المكتوبة باللغتين العربية والانجليزية. والكتاب الذي اعده البروفسير مختار ينطوي على فكرة بسيطة فالمؤلف يختار مصدراً مكتوباً بالفرنسية وينقل عنه اشاراته عن تاريخ السودان بترجمة سلسة ممتعة وقد يعلق من حين لاخر على المعلومات الواردة في المصدر، وهكذا فالمؤلف لا يكتفي بترجمة النص بل يعمل في بعض المرات على توثيق المعلومة الواردة في المصدر باثباتها أو دحضها حسبما يرى. ينطلق المؤلف من مصادر التاريخ القديم وكانت البداية دراسة المصادر الفرنسية عن حضارة كرمة «2000 ـ 1750ق. م» وهنا لابد من الاشارة لاهتمام المؤرخين الفرنسيين والذين يكتبون باللغة الفرنسية بتاريخ السودان القديم خاصة حضارة كرمة وندلل هنا بالمساهمة الضخمة للمؤرخ الكبير شارل بونيه الذي تواصل جهده في التنقيب عن حضارة كرمة دون كلل لما يزيد على الثلاثين عاماً وقد تكللت هذه الجهود باكتشاف موقع اثري بالقرب من موقع الدفوفة الحالي في كرمة قبل شهور خلت، ولاشك ان هذا الكشف الجديد سيضيف الكثير إلى ما نعرفه عن هذه المملكة السودانية التي اهتم بها المؤرخون والاثاريون كواحدة من اعرق مراكز الحضارات القديمة في وادي النيل. ونلاحظ ان المؤلف والمعد يعلقان على عنوان الدراسة قائلين كان الاجدر اضافة كلمة تاريخ ليقال الحضارات والتاريخ. كذلك يرى ان الصواب هو استخدام الحضارة السودانية بدلاً عن الاثيوبية كما جرت العادة، ويشيد المؤلف هنا حرص المصادر الفرنسية على استخدام الصواب وهكذا يواصل المؤلف بحثه في قراءة الادبيات الفرنسية. في الجزء الأول استعرض ثلاثة مؤلفات عالجت تاريخ السودان القديم ثم يشير إلى مصادر تعالج تاريخ السودان الحديث. وفي حديث المصادر عن التاريخ الحديث يتم التركيز على فظاظة وقسوة الحكم التركي على السودان والسودانيين وتتحدث هذه المصادر أيضاً عن جشع الحكام الاتراك، فأحد المصادر يورد مثالاً عن هذا الجشع قائلاً: «فاذا سمع احدهم برجل له بنت بادر بطلب الزواج منها أو طلبها لأحد ابنائه، وكان طلب كهذا لا يقابل بالرفض لأن فيه ارضاء لغرور الشخص كما انه ينطوي على اخافة وتهديد، حينئذ يأخذ التركي في مطالبة والد البنت بالهدايا وراء الهدايا دون انقطاع وينتهي الامر بتدمير والد البنت». على كل ان هذا الفصل الذي كرس للحكم التركي من امتع فصول الكتاب وفيه معلومات غزيرة بعضها يتسم بالجدة ولم تتم الاشارة له في المصادر الأخرى خاصة تلك المكتوبة باللغة الانجليزية، وهذا راجع للصلة القوية بين الاتراك والفرنسيين الامر الذي مكن الباحثين والمؤرخين والفرنسيين من كسب ثقة الحكم والاقتراب من الحكام وعلى رأسهم محمد علي باشا وقد استطاعت المصادر الفرنسية سبر غور حكم محمد علي وفلسفته في الاستيلاء على السودان وحرصه على استنزاف موارده، فأحد هذه المصادر مثلاً يفسر حرص محمد علي من انشاء سفن «لإزالة العقبات بين اسوان وسنار امام نقله للاخشاب من السودان». ثم تناول المؤلف مرجعاً يتحدث عن المهدية ويبدأ بدراسة الأسباب التي ادت إلى اندلاع الثورة المهدية وهي في تقديره أسباب متداخلة وأهم ما في الأمر ان الظروف كانت مواتية لاندلاع الثورة ونجاحها، يقول المصدر: «لو ان المهدي عاش في زمن من تلك الأزمان العادية لكان ببساطة واحداً من اولئك الدراويش الذين كثر انتشارهم بين القبائل ولم يتجاوز نفوذهم كثيراً جزيرة ابا ولم يكن ذلك الرجل الذي يعد من بناة الامبراطوريات. ونلاحظ حرص المصدر الفرنسي في الحديث عن المهدية على الموضوعية والحياد، وهذا على عكس المصادر الانجليزية التي تدرس المهدية من موقف عدائي واضح، بل ان المصدر الفرنسي يحاول في بعض الحالات الدفاع عن المهدي والمهدية، وهذا المصدر يسعى لدحض بعض التهم التي نشرها اعداء المهدي له، مثل اقباله على النساء أو ما اشار اليه المترجم بـ «الشهوانية» يقول المصدر «هنالك من شنوا هجوماً على شهوانيته «المهدي» دون ان يذهبوا إلى ذكر شيء عنها». كذلك اشار المترجم إلى اهتمام المصدر بالصراع بين المهدي والعلماء، يقول المصدر ان اغلب هؤلاء العلماء اهتموا بتهمة خاصة تنفي اتصاف المهدي بالمهدية وحق اللقب لكنهم صمتوا عن مذهبه أو نظريته وكان عليهم تركيز نقدهم في هذا الموضوع، لومهم يصفون الرجل ليس بالضرورة توضيحاً لسوء الفهم التي ستتبناها في واقع الامر ان المصدر كثير الاعجاب بالمهدي لدرجة الانحياز له ولدعوته، ثم يعالج المصدر الفرنسي حقبة الخليفة عبدالله ويبدأ بالحديث عن امدرمان معبراً عن دهشته عن اختيار الخليفة لموقع المدينة قائلاً: «ليس في امدرمان مقومات مدنية وليس فيها ما يبرر فقد النماء والازدهار بل مجرد وجودها وقيامها» وهنا يضع المترجم قوساً معلقاً على ذلك القول مخاطباً المصدر امدرمان يا استاذ أصبحت اكبر واعظم مدينة بالسودان» ويختم المصدر هذا الجزء مدافعاً عن معاملة المهدية للأسرى ومنها كانت معادلة رسمية وتبادل الشركة. أما الكتاب التالي الذي تناوله المؤلف فهو دراسة عامة بعنوان السودان ويتحدث عن السودان واهله وعاداتهم يلاحظ ان اغلب المجموعات التي درست في هذا الجزء من جنوب السودان مثل الدينكا والزاندي وينتهي كتاب بإشارات سريعة لمصدرين الأول يعالج قضايا الإدارة في السودان وعنوانه السودان النيلي والإدارة، والثاني عنوانه جمهورية السودان. يزيد المترجم بصفة خاصة للكتاب الأول وذلك لما اشتمل عليه من معلومات غزيرة تفيد القاريء العام. نخلص من كل ذلك لأهمية هذا الكتاب الصغير الذي لا تتجاوز صفحاته السبعين صفحة لكنه يسد فراغاً كبيراً في المكتبة السودانية. وما احوج هذه المكتبة لمثل هذه المساهمات للانعتاق من اسر الأدبيات المكتوبة باللغة الانجليزية إلى غيرها من أدبيات خاصة المكتوبة باللغات الأوروبية الأخرى كالفرنسية والألمانية والأسبانية. محمد المهدي بشرى المصدر: http://www.albayan.co.ae/albayan/book/2003/issue266/arabiclib/2.htm

الشيخ إبراهيم بن عبد الله
وكان ثمة رجل غريب آخر التقى به ليج Legh وسملت Smelt قبل ذلك في رحلتهما بالنيل الأعلى. وقد التقيا به لأول مرة في أسيوط. ثم رأياه بعد ذلك مرة أخرى في رحلتهما عائدين من (أبريم)، ولم يتمكنا من الوصول إلى حقيقته أو استجلاء سره، فقد كان يتكلم الإنجليزية والفرنسية بإجادة تصل إلى مرتبة الكمال، ومن الجلي أنه رجل مثقف واسع المعرفة على دراية جيدة بأوربا، ومع ذلك كان يدعو نفسه الشيخ إبراهيم "وهو حسن الهندام إلى أقصى درجة على الطراز التركي" وكان الجميع يعاملونه في كل مكان على أنه عربي. ولم يتسن للإنجليزيين – إلا بعد عودتهما إلى انجلترا فعلاً – أن يعلما أن الاسم الحقيقي لذلك الرجل هو " جون لويس بركهارت Burchkartd وأنه كان مبعوثاً إلى هناك من انجلترا، من قبل جماعة من الناس كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "جمعية تحسين وترقية اكتشاف المناطق الداخلية في أفريقيا". فلم يكن بركهارت رحالة أو مسافراً بطريقة عارضة على الإطلاق، بل كان دارساً ورجل علم له أهداف محددة يسعى لتحقيقها. وعندما أبصره ليج وسملت كان مشغولاً برحلة كتب لها أن تكشف اللثام عن نهر النيل في السودان، كما لم يعرفه العالم من قبل !

وكان بركهارت سويسرياً، ولد في أسرة موسرة من أسر لوزان. ومن العسير أن يتصور المرء رجلاً خارقاً للمألوف أكثر من بركهارت، فمكانه الحقيقي في جامعة من الجامعات الألمانية الصغيرة التي تتصف رغم صغرها بالامتياز العلمي، لأنه كان عالماً يتصف بمثابرة شديدة واجتهاد عظيم وشغف كبير بالتفصيلات. ويبدو أنه كان متفوقاً في كل الأعمال التي حاولها أو تولاها، سواء كان ذلك في دراسة الطب، أو دراسة الكيمياء، أو دراسة اللغات الأجنبية. فلو أتيحت له حياة مستقرة بين كتبه وأوراقه لكان ذلك حسبه لحياة سعيدة مديدة، بيد أنه عزف عن ذلك كله، فحملته دوامة جبارة من الخيال إلى أصقاع أفريقيا وبلاد الشرق، وبدلاً من أن يحصل العالم على معلم يرتدي الروب الجامعي والقلنسوة الجامعية ، ظفرنا برجل رحل كالبدو، يرتدي الجلابية والعمامة، ويمتطي صهوة حمار. وذلك أنه كان رجلاً تسيطر على عقله فكرة ثابتة، ولكن بصورة منهجية إلى أقصى درجة، فإذا به في هذه البيئة الفطرية الحافلة بالمخاطر، يبدو كدوداً مجتهداً منطقياً كما لو كان أستاذاً في قاعة درس. والحقيقة أنه كان نحوياً حتى في ارتياده وكشوفه، بمعنى أنه فقيه متحذلق تحول إلى رحالة مرتاد، أو عالم في الكلاسيكيات يعيش في البرية، ولم ينقذه من الاستغلاق والسماجة إلا تمتعه بحاسة لطيفة جداًَ للفكاهة، فهو من ذلك الطراز من الرجال الذي يمكن أن يتحمل أيما مشقة في سبيل إرضاء حبه للاستطلاع وهو من هذه الناحية ينتمي إلى تلك الطائفة الصغيرة من الرومانسيين الموهوبين – ومن أعضاء هذه الطائفة الآخرين "براون" و "بيرتون" – الذين يكتشفون افريقا لا بقصد التجارة ولا خدمة لنشر المسيحية، ولا طمعاً في ذيوع الصيت، بل لا لأسباب جغرافية، بل لمجرد أن ما يرونه يستهويهم.! ولا ريب في أن حياة بركهارت الأولى ذات شأن في شعوره بعدم الاستقرار، فوالده أصابه الخراب على يد حزب بونابرت في سويسرا، حتى انه قدم للمحاكمة بتهمة عقوبتها الإعدام ألا وهى إفشاء الأسرار إلى النمسويين. فشب بركهارت على مقت الفرنسيين. وبمجرد أن تمكنت له الوسائل للفرار من سويسرا هرب إلى ألمانيا سنة أو سنتين في جامعة كمبردج يدرس اللغة العربية، ثم قدم نفسه إلى الجمعية الإفريقية الحديثة التكوين، وعرض عليها التوجه إلى أفريقيا كيما يكتشف باسمهم منابع نهر النيجر والجزء الأوسط من القارة الافريقية. وكان ثمة جانب كبير من الاضطراب والغموض فيما يتصل بنهر النيجر ونهر النيل في ذلك الحين، لأن كثيرين من الجغرافيين ذهب بهم الظن إلى أن هذين النهرين قد يتمخض أمرهما في النهاية عن كونهما نهراً واحداً في الواقع. وتم الاتفاق على أن يكون مرتبه صغيراً، بل كان ذلك المرتب من الضآلة بحيث كتب عليه ألا يتذوق مناعم الرفاهية – التي تتيحها الحضارة. مرة أخرى إلى يوم مماته. وتم الاتفاق كذلك على أن يستكمل معرفته باللغة العربية عن طريق إقامته سنتين في سوريا. وبعد هاتين السنتين كان عليه أن يتوجه لاكتشاف أواسط افريقيا.

وقام بركهارت بإعداد نفسه لهذه الرحلة الافريقية بالسير حافي القدمين في أرجاء الريف الانجليزي، وبقضاء لياليه نائماً في العراء، وبمعيشة قوامها الوحيد الماء والنباتات. وفي سنة 1809 أقلع من إنجلترا. أما مغامراته التي تلت ذلك فلا معرفة لنا بها على الإطلاق تقريباً، إلا من خلال تلك المذكرات المستفيضة والرسائل التي كان يرسلها من هناك إلى الجمعية الافريقية، لأنه لم يعد بعدها قط إلى أوربا. وكان قليل الاحتكاك جداً والاتصال بغيره من الأوربيين الموجودين في بلاد الشرق. فهو قد كتب مثلاً من جزيرة مالطة، حيث أرخى لحيته الغزيرة: "سأنطلق من هاهنا وأنا متخذ لنفسي سمات تاجر هندي مسلم.. وعن قريب جداً سيضيع أثري في زحام الناس بمدينة حلب" وبعد ثلاث سنين من ذلك التاريخ، ظهر في مدينة القاهرة قادماً إليها بطريق (بترا) التي لم يقم بزيارتها منذ العصور الوسطى إلا نفر قليل جداً من الأوربيين. هذا إذا صح أن أوربياً غيره قام بتلك الزيارة من قبله. وكان تمكنه من اللغة العربية قد أصبح الآن تاماً، بحيث استطاع أن يتخذ لنفسه اسم الشيخ "ابراهيم بن عبد الله" واعتبره الناس حجة مسموع الرأى في الشريعة الإسلامية. ويرجع بعض الفضل في تقدمه في لغة العرب إلى أنه لفرط اجتهاده أقدم أثناء إقامته بسوريا على ترجمة "روبنسون كروزو" إلى اللغة العربية ترجمة أدبية كانت بمثابة إعادة لإنشاء هذه القصة من جديد. ومن دلائل ذلك التمكن أيضاً أن للخمر مثلاً في الشعر العربي نحو مائة وخمسين لفظاً مختلفاً كان يعرفها جميعاً!

وفي شهر مايو سنة 1813، كان بعد في التاسعة والعشرين من عمره، حينما كتب إلى الجمعية الإفريقية من بلدة (إسنا) الواقعة على ضفة النيل الأعلى بالصعيد، يخبرها بأنه كان قد التقى بالبريطانيين "ليج" و "سملت" ، وأنه قد تمكن من التصعيد في النهر حتى وصل إلى قرب (دنقلة)، وأنه كان يعتزم القيام برحلة أخرى عن طريق النيل يصل بها إلى موضع التقاء ذلك النهر بنهر عطبرة بالسودان، وأنه سيشق طريقه من ذلك الموضع حتى البحر الأحمر، فيجتازه إلى مكة. ومع أنه كان يدرك أن ذلك المشروع ليس من شأنه أن يقربه من نهر (النيجر) أو وسط إفريقيا، إلا أنه كان واثقاً بأن الجمعية الإفريقية ستقره على القيام بهذه الدورة الصغيرة خارج نطاق المشروع الأصلي، لأنها ستتم في تلك الفرجة من الوقت التي ينبغي عليه أن يقضيها بلا عمل في انتظار القافلة السنوية التي ستنطلق من مدينة القاهرة إلى واحة (فزان) وداخلية الأقاليم الإفريقية الوسطى.

وبعد أكثر من سنة من ذلك التاريخ، كتب مرة أخرى من مدينة (جدة) يخبر الجمعية أنه وصل إلى بلاد العرب عن طريق (شندي) الواقعة على ضفة النيل، وأنه يعاني من علة في بصره. وبعد اثنى عشر شهراً أخرى أو نحو ذلك، أرسل تقريراً من مدينة القاهرة يقول فيه إنه كان في مكة، وإنه لم يزل في انتظار القافلة التي ستتوجه إلى فزان، وإنه في حالة صحية منحطة.

وفي ربيع سنة 1816، وصل خطاب آخر يقول فيه إنه كان فريسة مرض شديد، وإنه رغبة منه في تجنب الوباء المنتشر في الوجه البحري قد توجه إلى دير سيناء. وبعد ثمانية عشر شهراً أخرى، أى في شهر أكتوبر سنة 1817 – وجمت الجمعية الأفريقية حين بلغها نبأ موت رحالتها متأثراً بإصابته بالدوسنطاريا في مصر، غير متجاوز الثالثة والثلاثين من عمره. وقد ترك في وصيته ما كان في حوزته من المخطوطات الشرقية وعددها ثمانمائة مجلد هبة خالصة لجامعة كمبردج. وظلت الجمعية الإفريقية إلى ما بعد وفاته بمدة من الزمن تتلقى رسائله التي تأخر وصولها في الطريق بخط يده المعروف لأعضائها تمام المعرفة.

يالبركهارت المسكين! لقد مات وهو يؤكد أن في نيته حقاً التوجه إلى أواسط إفريقيا، وهو أشد ما يكون لهفة على أن تفهم الجمعية الإفريقية الأسباب التي عوقته عن الذهاب قبل ذلك، وفي مرجوه أن تمنحه فسحة وجيزة أخرى من الوقت، قائلاً إنه ربما انطلقت القافلة المنشودة أخيراً في الشهر التالي. وأن ما نعرفه عن حماسة هذا الرجل المخلص الوفي، يجعلنا لا نشك إطلاقاً في أنه كان حرياً أن يمضي إلى هناك لو امتد به الأجل، سواء تيسرت له سبل السفر مع قافلة أو بغير قافلة. ولكن الذي لا مراء فيه أن الشرق الأدنى قد سحر هذا الرجل واستولى على لبه، فلم يطاوعه قلبه على الارتحال عنه قبل ذلك.. ومن المؤكد أن السنوات الثمانية التي قضاها في التجوال ببلاد الشرق ليس من السهل أن نجد لها تفسيراً كافياً في إعداد الأهبة لرحلة إلى أواسط إفريقيا، بل الأقرب إلى الصواب أن قلبه وعقله وطبيعته الكريمة كلها كانت مستغرقة كل الاستغراق في الإسلام وفي الصحراء. وليس في وسع المرء أن يطالب لهذا الرجل بمكان عظيم في عالم الكشوف الجغرافية عن جدارة، فرحلاته إلى مكة (قبل قبل وصول بيرتون إلى هناك بنحو خمسين سنة) وإلى النيل الأعلى، كانت أعمالاً مرموقة استطاع تحقيقها في ظروف من الفاقة والمشقة حرية أن تقضي على عزيمة رجل أقل منه إصراراً. بيد أن هذه الرحلات – مهما يكن من شأنها – لم تضف الشيء الكثير إلى ما كان محدداً من قبل على الخرائط الجغرافية. إلا أننا عندما نأتي إلى رسائله ومذكراته، وإلى المجلدات الفاخرة التي استخرجت بعد ذلك منها، لا نلبث أن نتحقق من أن "بركهارت" كان رجلاً من أعظم الرحالة الذين عاشوا على وجه الأرض، من حيث دقة الملاحظة. أجل ، إن جانباً كبيراً من كتاباته – ألا وهو الجانب الذي يشمل ملاحظاته المتعلقة بالأرصاد الجوية، وتحليلاته للهجات المحلية، وقوائمه الطويلة بأسماء الأماكن – تشعر المرء عند قراءتها بالملالة والركود، ولكنه حين يتنقل نشعر أننا نتنقل في صحبته. ولا يمكن أن يشك المرء لحظة واحدة في صدق ما يرد على قلمه، لأنه ممتاز جداً في مجافاته للمبالغة، ولكنه في الوقت نفسه يجعل أتفه الأمور شأناً ينبض بالحياة، وكأنه يشدو بالغناء، فهو بذلك يعتبر الفنان صانع الرسوم المصغرة الذي يميط اللثام عن زمنه. وهكذا، في رحلته الأولى مصعداً في النيل إلى ما وراء جزيرة (فيلة)، نراه يتحدث عن الغزلان التي كانت تحوم في الصحراء قطعاناً كبيرة، حتى إذا أرخى الليل سدوله نزلت إلى ضفة النهر لتغتذي من محصولات الذرة النابتة هناك. ويقول "بركهارت" إن النوبيين كانوا يذودون هذه القطعان من الغزلان عن مزروعاتهم بإقامة فزاعات على صورة ضباع مصنوعة من القش لها أرجل من الخشب. وكان على الجملة يميل إلى النوبيين ميلاً شديداً، ويقول عنهم إنهم جماعة من الناس يمكن وصفهم إجمالاً بأنهم متوحشون عرايا الأجساد يضعون الزبد على رءوسهم "لتطرية الجلد وتنشيطه، ولإبعاد الهوام والحشرات"، ولكنهم قوم فيهم شجاعة وحب للاستقلال، ولا يكاد أن يكون للسرقة والمرض والدعارة وجود على الإطلاق تقريباً بينهم!.. ولكن قطع الطريق لم يكن معدوداً من قبيل السرقة لدى أهل النوبة، فإذا ما وقع بين أيديهم مسافر لا يتمتع بحماية أو حراسة طلبوا إليه أداء الفدية. ويقول بركهارت إنه من الحماقة أن يرفض المرء هذا الطلب، لأن النوبيين يشرعون على الفور في حفر قبر لهذا المسافر. وكان بركهارت راكباً حماره حين اجتاز بلادهم ومعه خادم واحد. وكان يعاني من الفقر، حتى إنه كان يعيش على التمر وخبز الأذرة، ولذا راح يحتج – ولكن بغير طائل – قائلاً للرجل الذي قطع الطريق عليه إنه لم يكن يملك ما يعطيه فدية عن نفسه "... وبمجرد أن شرع ذلك الرجل يعد لي قبراً، ترجلت عن الحمار ورحت أصنع قبراً آخر، وأخبرته أنني أعده كى يكون لحداً له! .. وعندئذ أخذ الرجل يضحك، وباتفاق متبادل هدم كل منا ما كان الآخر قد صنعه!"

وثمة - بعد ذلك – تلك الطرفة التي حدثت مع دليل كان قد استأجره، وهو رجل يأبى بأي صورة من الصور أن يميط اللثام مقدماً عن حقيقة المسافة التي ينبغي عليهم قطعها من مكان إلى مكان تال، فكل ما كان بركهارت يستطيع الحصول عليه من المعلومات منه، هو قوله: "نسأل الله أن ييسر لنا طريقنا .. إن الله جل شأنه في وسعه أن يطيل المسافات أو يقصرها كما يشاء!". ولم يكن الرجل مرشداً جيداً، فلما آن لهما أن يفترقا أخيراً، لم يجد بركهارت نفسه ملزماً إزاءه بأكثر من أن يقول له: "يسر الله طريقك !"، فأجابه المرشد قائلاً: "لا، فأنا في هذه المرة أطلب منك أنت أن تيسر لي طريقي". ثم طلب إلى بركهارت أن يعطيه شاله، فأعطاه إياه.

وخلال هذا الجزء الباكر من رحلته، كان بركهارت في مكان قريب من المعابد النوبية التي ينبغي في العقد السادس من هذا القرن (سنة 1960 – 1969) أن تنقل بسرعة من مكانها وإلا أغرقتها مياه السد العالي الجديد. ولا شك في أن بركهارت – حينما كان هناك في سنة 1813 – شعر بأن كل ما حوله يتسم بالبربرية المطلقة، وأن طريق عودته إلى دنيا الحضارة غير ميسرة. ورأى بعينيه في الوقت نفسه تلك المشاهد الرائعة التي لم تسجل ولم تكتشف ولم تعرف، فلم ترها عين تعرف لها قدرها قبل عينه، ومما لاشك فيه أن ذلك كله آثار لديه أحاسيس هائلة كانت المبرر الكافي لدى وجدانه لكل تلك المخاطر والمشقات التي تكبدها في رحلته. ولقد كان "دينون" في مصر يحظى على الأقل بحماية الجيش الفرنسي له ويعتمد عليه في تنقلاته ومعيشته، أما بركهارت في بلاد النوبة، فكان وحيداً بمفرده. ولئن كان أقل من دينون توفزاً وثوراناً وأقل منه من حيث الموهبة الفنية، إلا أنه كان ذا عين مدربة، وأوصافه لمعابد بلاد النوبة ليست أول وصف لها منذ العصور القديمة فحسب، وإنما هى – فضلاً عن هذا – لم تزل من أفضل ما كتب في هذا المجال.

التراث الشعبي لقبيلة المناصير - الطيب محمد الطيب وعبد السلام سليمان وعلي سعد
منذ 5 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol. XV
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol. XIV
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol XIII
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol XII
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol XI
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
Sudan Notes and Records Vol X
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol IX
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol VIII
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol VII
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol VI
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol V
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol IV
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol III
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
Sudan Notes and Records Vol II
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
السودان والهوية العربية - د. جعفر ميرغني
منذ 4 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اتفاقية الحدود بين السودان وإثيوبيا
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
تداعيات توقيع دولة بوروندي على اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
البحر الأحمر (بحر القلزم) في خطط المقريزي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
نهر النيل عند ابن كثير الدمشقي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
مشكلات الحدود بين السودان ويوغندا
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الحدود السودانية الكينية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
حدود السودان مع الكونغو
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
مشكلات الحدود السودانية مع ارتريا وإثيوبيا
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
قضية الحدود المشتركة مع ليبيا
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
مشكلة الحدود السودانية المصرية: محمد إبراهيم طاهر
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
حدود السودان من جهة مصر قديماً عند المقريزي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
معاهدات وإتفاقيات وبرتوكولات حدود السودان مع دول الجوار
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
حدود السودان اللغوية - للأستاذ الدكتور/ حسن الشيخ الفاتح الشيخ قريب الله
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
يهود السودان حصان طروادة الذي أدى إلى التقسيم
منذ 5 سنة، بواسطة مدير الموقع
اليهود في السودان: قراءة في كتاب الياهو سولومون ملكا
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
تاريخ الطرق الصوفية فى السودان: بالإشارة خاصة للطريقة القادرية
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
الختمية
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
الطرق الصوفية في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
يهود السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
ما وراء عودة اليهود الثانية إلى السودان - المثنى عبد القادر الفحل
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اليهود في السودان - النذير جريس - منتدى خطى الأيام
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
يهود السودان حصان طروادة التقسيمي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الأسر اليهودية في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
مقتطفات عن اليهود والفلاشا
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اليهود في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
أطفال يعقوب في بقعة المهدي: يهود السودان - مكي أبوقرجة
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الطرق الدينية في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
المسيحية في شمال السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
لغة الداجو - إعداد عبد البادي محمد أبكر
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
موجز اللغة المروية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
العلماء ينجحون في فك طلاسم اللغة المروية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللهجات بين السلالات في السودان - سناء حمد
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة البجاوية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة العربية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
لغة البجة أو اللغة البشارية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة القبطية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة المروية
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة التي تسمى اصطلاحاً بالمصرية الحديثة
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة التي تسمى اصطلاحاً بالمصرية القديمة (الهيروغليفية)
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة الأمهرية : Amharic
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة التجرينية (التكرينية): Tigrigama(Tigri) Tigrinya; Tigrai
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
اللغة التِّجْرية (التكرية) Tigre
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
لغة الجِعِـزّ (الكِعِـزّ):Gue'ze ; Geez
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
القريشاب
منذ 4 سنة، بواسطة Abdul-Aziz Mohammed Abbas
القريشاب المقيمون في منطقة الجزيرة غرب مدينة وادمدني
منذ 4 سنة، بواسطة Abdul-Aziz Mohammed Abbas
الأثر الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لأسرة السنيناب
منذ 5 سنة، بواسطة مدير الموقع
المك نمر والحركة الوطنية الأولى - د. جعفر ميرغني
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
قبيلة البطاحين - بقلم ابوحريرة
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
العباسيون في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الشايقية - تأليف و. نيكولز ترجمة وتقديم وتعليق د . عبد المجيد عابدين
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الحنة والدلكة والبخور - من عادات الأفراح
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
الجرتق في الأعراس عادة فرعونية قديمة
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
في العادات: وشم اللثة
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
من عادات أهل السودان : اللسيع
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
نتف الشعر
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
ألعاب الأطفال في السودان
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الصراع السياسي في السودان - 1874 - 2006 - إعداد جمال الشريف
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
سيناريو أحداث الاستقلال
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
في الأسى ضاعت سنيني
منذ 2 سنة، بواسطة المشرف العام
دوبيت - الشاعر الجعلي ود الخاوية بمنطقة الجريف
منذ 4 سنة، بواسطة مدير الموقع
دوبيت سوداني - ظلال الأصيل الشاعر جبر الله عوض السيد
منذ 4 سنة، بواسطة مدير الموقع
يا مولاي آه من غلبي - عكير الدامر
منذ 4 سنة، بواسطة مدير الموقع
صه يا كنار - محمود أبوكر
منذ 5 سنة، بواسطة عمر فضل الله
ماهو الفافنوس
منذ 5 سنة، بواسطة عمر فضل الله
عبد الله الطيب المجذوب
منذ 5 سنة، بواسطة مدير الموقع
روضة الحاج
منذ 5 سنة، بواسطة مدير الموقع
الهادي آدم
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
بابكر البدوي دشين
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
صلاح أحمد إبراهيم
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
محمد الفيتوري
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
أبو القاسم هاشم
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
الحافظ جمعة سهل
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
أحمد محمد صالح
منذ 6 سنة، بواسطة مدير الموقع
لجوء سياسي
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
الشيطان يدعوكم على العشاء
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
الشاجيون يحيونكم
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
البحث عن نهر قديم
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
المحاكمة
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
خطأ بسيط جداً
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
الزائر
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
الحرب
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
المقهى
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
الأستاذ
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
يوميات السأم
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
فهم متفهم عميق
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
التذكرة
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
احتفال
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
ناقة دكتور سالم تقف عند الأطلال
منذ 6 سنة، بواسطة إسحق فضل الله
أدريس جماع الشاعر الذي عاش لكي يموت
منذ 2 سنة، بواسطة المشرف العام
مقدمة الأعمال الكاملة للطيب محمد الطيب - عبد الله علي إبراهيم
منذ 5 سنة، بواسطة المشرف العام
معجم الأمثال السودانية المقارنة
منذ 5 سنة، بواسطة المشرف العام
رحيل الهادي آدم صاحب أغنية "أغداً ألقاك"
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
عبد الله الطيب يكتب عن صلاح أحمد ابراهيم
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
معاوية نور - استعراض واستقصاء المثقف الحق
منذ 6 سنة، بواسطة المشرف العام
الأدب الشعبي في السودان - عز الدين أحمد حسن سليني
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
ديوان خليل فرح أحد أبرز شعراء السودان - عباس حسن محمد علي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
الرواية السودانية الجديدة "ذكر ما جرى في البر الآمن" جسارة السرد وجرأة المضمون - ماضي أحمد محمود
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
«طائر الجبال الأزرق» موسى مروح كتبت في المهجر الامريكي
منذ 6 سنة، بواسطة عمر فضل الله
طاهر لاشين القصصي - بقلم معاوية نور - السياسة الأسبوعية – العدد 226 – 5 يوليو سنة 1930
منذ 7 سنة، بواسطة عمر فضل الله
معاوية محمد نور
منذ 7 سنة، بواسطة عمر فضل الله
عبد الرحمن الريح - بحث و توثيق اسامة احمد نور الدائم (2)
منذ 7 سنة، بواسطة عمر فضل الله
عبد الرحمن الريح - بحث و توثيق اسامة احمد نور الدائم
منذ 7 سنة، بواسطة عمر فضل الله

سنجاتا

"سُنْجَاتَا" كانت هي المخلوق الوحيد الذي تعلقت به. كنا نأتي كل يوم ونجلس تحت شجرة الأراك ونحلم. ابتسامتها البريئة، ووجها الطفولي، وطعم فمها، وكلامها الذي يحملك إلى عالم مسحور. كانت لا تربط بين الأفكار، بل كل ما يخطر على بالها تقوله. وكان هذا يدهشني فكنت أطير معها في عالم الخيال الجميل الذي له أجنحة تحلق بك أينما تريد.

كنا نبني معاً عوالم مسحورة في أفق الفضاء، أو في دنيا لم يرها إنسان. وكنا نعيش يومنا مع الطيور والحوريات وعالم الجن. كنا نبني قصوراً من الوهم على شواطيء الأحلام ونقطف الأزهار البرية من روضات الحدائق النائمة، عند السحر، والقمر قد سئم البقاء وحده في أفق الفضاء، فبدأ يتأهب للنوم. قالت لي "سُنْجَاتَا" يوماً:

-         "سيس" لماذا لا يوجد قمران في أفق السماء؟

-         القمر وحده لأنه يلعب مع الشمس لعبة المطاردة، فهو يهرب منها بالنهار. وحين يتأكد أنها قد ذهبت تبحث عنه وراء الأفق يأتي إلينا وحده متخفياً بالليل. ألا ترين أنه يبتسم ابتسامة ساخرة؟

-         "سيس" أين ذهب أبوك؟

-         أبي هو القمر الذي يهرب من أمي. أمي تجلس وحيدة في غرفتها كل ليلة مثل الشمس في كبد السماء.

-         بجد يا "سيس" أين ذهب أبوك؟

-         أبي هو "ملك ملوك الجن"، وهو في مهمة، وسوف يأتي قريباً من العالم السحري.

-         "سيس" هل تحبني حقاً؟ عندما أكبر أريد أن أتزوجك. ونطير معاً فوق البحار. ونلعب لعبة الشمس والقمر. أريد أن تكون لي أجنحة أحلق بها في الفضاء. هل تصدق هذا؟

-         ....

-         سيس هل عندك شعر هنا؟

وأشارت إلى موضع عانتي من الخارج.

-         أنت مجنونة !!

-         أحلى شيء الجنون. "سيس" هل جربت يوماً أن تخلع كل ملابسك وتغلق الأبواب وترقص عارياً وتصيح بأعلى صوتك حتى يبح حلقك ثم تقفز عالياً وتسقط على الفراش؟ تعال نجرب هذا يوماً معاً، ولكنني لن أخلع ملابسي.

كانت "سُنْجَاتَا" مثالاً حياً لكل التناقضات المجنونة الموجودة في البشر. كانت أكثر الناس رقة، وأشدهم جنوناً. كانت منطلقة كمهر جامح في البرية لا يقدر عليه أحد. وكنت أحب هذا فيها. ولعل هذا الأمر قد دفعني حين كبرت قليلاً إلى ترويض المهارى الوحشية والحمير البرية والبغال الجامحة.

ولكن "سُنْجَاتَا" اختفت فجأة من حياتي ولم أعد أراها. قصدتُ بيتهم كثيراً، ولكنه كان خالياً وبابه مغلقاً. لم أعرف يومها ما الذي حدث لها أو لأمها. أعرف أنها يتيمة الأب، وأن أمها، كانت تُشاهَدُ في بيت قائد الحرس كثيراً وكانت تعود إلى البيت سكرانة كل ليلة. أخبرني "عِبْدِي" بذلك وقال إن "سِمْبَا" هو الذي أخبره. حزنت لهذا، ومع الأيام ضمرت ذكراها في فؤادي، أو لعل تلك الذكرى اختبأت خزياً حين كنت أذكر أمها. كنت أذهب كل يوم وأجلس وحدي تحت ظل شجرة الأراك. حاولت استجماع الذكريات فلم أقدر على الإمساك بها. كانت تتسلل هاربة من ذاكرتي كلما كبرتُ.

حين رأيت "سُنْجَاتَا" بعد كل هذه السنين وهي جارية في قصر الملك حاولت أن أتحقق من مشاعري فأحسست بغضب عارم يتأجج في كبدي. لم أعرف له سبباً. ذكريات المشاعر القديمة عادت واستحالت شيئاً مشوهاً. "سُنْجَاتَا" لم تعد بتلك البراءة ولا الجموح. كانت مستكينة خاضعة. وخمد ذلك البريق في عينيها وكأنما أسدلت فوقهما غلالة من بؤس العبودية.  تمنيت ساعتها أن أصبح تاجراً للعبيد، لأشتريها وأبيعها بعيداً للعرب عبر بحر الجار فلا أراها بعدها أبداً. ثم تمنيت أن أصبح نسراً كاسراً يختطفها بمخالبه ويحلق بها فوق أجواء عَلَوَة ويلقي بها من حالق فتندق عنقها ويطويها النسيان. ولكن كل هذا لا يشفي غليلي. ولذا فقد بقيت وحيداً متوحشاً طيلة هذه السنوات، لا أسمح لأحد أن يقترب مني!!

 حزمة الشوك

31 / 10 / 2010 04:31:00


(حصحاصة البليلة) تظل تمنع اضراس امريكا من مضغ السودان. - وامريكا تتقدم لوفد الحكومة في واشنطن وببراءة وتطلب ان يكون لقاء اديس ابابا بين المسيرية ودينكا نقوك فقط.. يعني بعيداً عن البشير.. - السودان يوافق وفي اديس ابابا الحركة وامريكا كلاهما يفاجأ بان من يجلس هناك من المسيرية هم اسوأ حديثاً من البشير. - وخلف الزريبة الامريكان كانوا يقولون للحركة في غضب (اعطيتم البشير فرصة ان يختبئ خلف قبيلة.. ليقول اسوأ ما عنده). - وامريكا تطلب من الحركة الضغط على الخرطوم بتمرد الغرب.. وهذا انطلق مني اركوي إلى الجنوب. - بعدها باسبوعين السيد اركوي يجد انه فقد كل شئ في الخرطوم وكل شئ في جوبا.. وبقية ما بقي من قواته يعلن انشقاقاً الاسبوع الاسبق!! - وجانب من القيادة الامريكية يقول (نواصل الضغط) وجانب يقول ما معناه (نحن نضغط بسكين جين مورس) وجين مورس في رواية الطيب صالح تضع خنجراً بينها وبين صاحبها ينغرس في الجهتين معاً كلما اشتد العناق. والحديث يصل إلى ( لقاء بين البشير وسلفا في اديس ابابا) والخرطوم تقول: الرئيس لا يلقى نائبه في بلد اجنبي!! نأسف - وعلى عثمان وغازي هما من يذهب إلى اديس ابابا ان تم القاء - وسكين جين مورس تجعل سلفا كير لا يعرف ما اذا كان عليه ان يتقدم او يهرب. - وسلفاكير الذي يلغى (سراً ) مجلس التحرير ويقوم سرا بتعيين مجلس جديد من مائة شخص يجد هذه الصحيفة.. تكشف الأمر. - وتكشف ان سلفاكير يستقبل القادمين ا لجدد بمبلغ عشرة ملايين دولار. - ومجلس التحرير يقرأ هذه الصحيفة..ويزأر..!! - خصوصاً ان المجلس الذي يقال سراً لم يتلق مرتباته منذ عامين!! -وسلفا يقسم تحت الليل لكل جهة انها هي الحبيب الاول.. لكن امواجاً اخرى تتلاطم خارج قاعة جوبا هي ما يدير الآن كل شئ. - والاحزاب الستة والعشرين التي ترفض كل مشروعات سلفاكير تجد ان اسلوب قرنق معها يتكرر الآن.. بدقة كاملة.. - وايام قرنق ومنذ بداية التسعينات وحين ينشق فصيل الناصر (الشلك.. اكول.. والنوير.. مشار) كان قرنق يستعين بالنوبة ضد هؤلاء ثم يستعين بالنوبة ضد تمرد سلفاكير عام 2004 - والنوبة يجدون الآن ان سلفاكير.. ينتقم. - وقبائل النيل الازرق كان اول من يقودها إلى قرنق هو (ابو ليلى جمعة).. وحين ينضم هذا إلى تمرد الناصر يستبدله قرنق بعقار. - وعقار يجد نفسه الآن متهما (بحب الشمال)!! - والآن مشار الذي كان هو الوسيط بين قرنق وسلفاكير والذي كان ينتظر ان يكون الرجل (الاول مشترك) في الحركة.. يجد نفسه تحت مدفعية الاتهام الرسمي بالتجسس.. وعرمان يكتب خطاباً رسمياً إلى سلفاكير نهاية اكتوبر يقدم فيه الاتهام هذا. - والاحزاب (26 حزباً) ترفض كل مقترحات سلفاكير. - واولاد ابيي يجدون الاحزاب – وعند نقاش مسألة ابيي- تقول بصراحة: هل نجعل اهلنا وقوداً للحرب لصالح أبيي لمجرد ان اهلها من الدينكا؟. - وان كان وجود بعض الدينكا هناك يجعل أبيي تابعة للجنوب لماذا لا يطالب النوير بالارض الاثيوبية التي يعيش عليها النوير منذ قرون (والمادي) يطالبون بجزء من يوغندا.. والاشولي يطالبون بجزء من كينيا..!! - وحزمة الاشواك هذه يلتفت سلفا والآخرون ويجدون انها تحاصر سلفاكير. - واللقاء السري جداً الذي يقرر حل مجلس التحرير – بتوصية من باقان – يقرر تحريك الصراع في جنوب كردفان والنيل الازرق للاختباء خلف الحريق هذا.. بعيداً عن الاستفتاء.. وما يتبع ذلك. - وحديث فاقان الطويل كان يخلص إلى حقيقة ان (70% من اعضاء مجلس التحرير ضد اجندة اجتماع المجلس هذا الآن ويعملون على اسقاط المدوالات والذهاب إلى المحاسبة مباشرة). - والمحاسبة تبدأ بالسؤال عن الاموال وهذا ما يتجنبه باقان بشدة وعرمان وآخرون. - قال باقان (وهؤلاء ان احضرناهم للاجتماع اطاحوا بكل شئ لهذا اطلب من الاجتماع هذا إلغاء هذا الجسم.. مجلس التحرير.. تماماً وتكوين مجلس شورى من 100 عضو وسراً ويكون فيه من خارج الجنوب عرمان ومنصور خالد والحلو وعقار فقط.. والبقية من دولتنا مع الاستمرار في تخدير ابناء المناطق الثلاثة وقطاع الشمال بان المجلس موجود واعطاءهم وعود وهمية لاننا مازلنا نحتاج الى ابناء المناطق هذه والنوبة لحماية ظهرنا). - هكذا قال باقان. -في الايام ذاتها كانت حركة مني تنشط في الخرطوم مع قطاع الشمال. - ومواقع الاجتماعات السرية يجري تغييرها بدقة.. والمنازل السابقة تستبدل بمنزل ادوارد..في الحاج يوسف.. ومنزل اقوك بالديوم.. ومنزل ليو.. - ومنزل احد قادة الشعبي.. - وعرمان الذي يشهد حديث باقان اعلاه كان هو من يشهد لقاء الشهر الماضي ومعه اقور ماكوروويلز مامير.. ومن الشعبي اثنان من القادة..ومن حركات دارفور كان هناك مالك من حركة مناوي وابراهيم عيسى من حركة خليل وجمعة من حركة عبد الواحد.. وعائدون من اسرائيل ومن اريتريا. - وينهمك الرفيق عرمان والرفيق سبت من الدينكا واحد العائدين من اسرائيل في غرفة مجاورة في كتابة تقرير بالانجليزية إلى جهة أجنبية. - حتى الاصطراخ حول البترول والاستقلال والاستفتاء ينساه سلفاكير وهو يجد ان الذئاب تحيط به. - الاحزاب الجنوبية ضده. - وابناء قرنق- ضده. - وحلفاؤه من تمرد الغرب لا يصلحون لشئ. - ومجلس التحرير ضده. - والآن باقان وببراعة كاملة يحول سلفا كير ضده. -وقبلها ظل اكول لا يخفي عداءه لسلفاكير. - وابناء أبيي ضده. -وامريكا –الشديدة الذكاء- حين تجد ان البشير مستريح تماماً لايتهدده شئ وانه يكسب دون ان يدخل الميدان تخطط لصناعة الاشواك في طريقه. -والبشير ينظر.. ثم ينوم تاني!! - والسودان في امان ما دامت امريكا تفكر بعقل امريكا.

صحيفة الرائد | اسحق أحمد فضل الله
 

عالم جديد.. مبسوط!!
 
08 / 07 / 2010 06:31

× الملك الايطالي.. قبل الحرب العالمية الثانية.. يطوف في معرض رسومات.. والفنان يتبعه مزهواً – والفنان يزداد زهواً وهو يجد الملك يقف طويلاً أمام لوحة لإحدى القرى.. أخيراً الملك يتساءل. : كم عدد سكان هذه القرية؟؟ × الجمال عند الملك هو إحصائية بالخدمات والطعام.. × وكل أحد يرى الجمال من نافذة عقله هو.. × وتعريف الأشياء والرؤية يصبح كارثة. ورجل مثل الجاحظ يكتب كتاباً كاملاً عن الكلب والعصا وكل شيء ويمدح كل شيء أعظم مديح.. ثم يكتب كتاباً عن الأشياء هذه ذاتها يهجوها فيه أسوأ هجاء. × لا حقيقة لشيء إذن والشعور.. بهذا قديم × والشجاعة جميلة – لكن.. × من أنقذ قبيلة من الفناء في العراق القديم كان ينجح في مهمته هذه لأنه كان هو (الجبان الأعظم) في القبيلة كلها × والآثار في العراق القديم تكشف عن ملك بعد ملك.. كلهم ميت. وحول تابوته كل رجال مملكته مذبوحين.. فقد كانت العادة هي أن يقتل الرؤساء أنفسهم حول جنازة الملك. × والحكاية تقص أن الملك مات وأن رجال الدولة كانوا يمشون خلف جنازته ليقتلوا أنفسهم عند دفنه.. وأن كلا منهم كان يتمنى لو أنه يطير في السماء حتى ينجو.. × لكن كل واحد من هؤلاء (الشجعان) كان في حقيقته جبان إلى درجة أن ما يقوده لقتل نفسه هو خوفه من أن يلتفت ويقول للناس – لا!! × ورجل (جبان) واحد التفت وقال.. لا.. لا... لا أريد أن أموت × والآخرون الذين يمشون إلى الموت يلتفتون ويجدون أنه لم ينفجر شيء في السماء أو الأرض بعد هذه الكلمة. × وهكذا قالوا – لا × والناس حولهم قالوا .. لا × والعادة المجنونة انتهت..! × وأجبن الناس يصبح أذن هو البطل × ما هي الشجاعة × وأشياء كثيرة لها التعريف ذاته × والجمال منها × ومصر في الستينات كانت (الموضة) فيها هي التحليل النفسي.. والإصابة بالأمراض النفسية × والأمراض النفسية كانت لا تصيب إلا الأولاد الذين يشبهون البنات في الطبقة الأرستقراطية.. البنات اللائي يشبهن الأولاد × وكانت البنت تقول لصديقتها × الموضة السنة دي هي الشيزوفرانيا × لكن كل شيء كان مقبولاً لأنه؟؟ × لأنه جميل.. × والناس.. في السينما وغيرها.. يحدقون بإعجاب في الفتاة التي تحمل عيوناً ساخنة وشفاها ممتلئة ومنفرجة قليلاً.. وتحمل خدوداً ملتهبة.. × والسبب هو أن هذه كلها هي أعراض الإصابة بالسل! × والسينما تفتتن بتقديم المصابات بالسل لأن المشهد – جميل!! × والسينما – في اليوم – البطل يقتل الناس ببساطة وينزع حياتهم وأموالهم ثم يحتضن البطلة الفاتنة × وأنت مبسوط لسبب واحد هو أن البطل – جميل × فلو كان قبيح المظهر لاختلف موقفك منه × ما هو الجمال.. ما هذا كله × هذا كله هو "التغليف الجديد للسموم الجديدة) في عالم تدمير كل شيء هو أسلوب ينطلق الآن × تدمير المجتمعات اليوم يقدم بجمال × ومشهور أن أمريكا حين عجزت بكل قبح القوة العسكرية في فرض نفسها على الشعب العراق فأصدرت الأوامر لجنودها بأن (ابتسموا.. وقدموا الهدايا.. وقدموا الجمال) × الاحتلال العسكري زمانه في التاريخ ينتهي.. والاحتلال بالمال والمخابرات والرشاوى والعملاء.. ينتهي و.. × الاحتلال الآن يعد جيشاً جديداً اسمه.. الجمال × أما. ما هو الجمال في ذاته فإن المبتهج المبسوط الأعظم هو .. السكران!!  

حمى الدريس - علي الملك

تامل كيف أذعن النيل الأزرق للأبيض أخيه فيما أسموه المقرن؟ وباعوا لكما ولكل من لهم آذان وعيون، أسمعوهم بالراديو وأروهم بالتلفزيون، وزينوا لهم أن أعذب الشعر الذي هو دونما ريب أكذبه – ما كان نظم لحظات زمان والآن ينظم،وسينظم فيما يأتي من الزمان في صفة هذا المكان:المقرن،هذا الذي أفقد النيل الأزرق لونه، وعليه هزم. صه ‍! أنت مسرف في حب هذا النهر .. وتلك هي (وفاء) تقول لها : من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟ . أهل منغوليا .. قالوا بل قرات مرة .. كذباً كاذب . من إذن ؟ . تنظراليها تفحص وجهها تحس انها تترقب اجابة ترد علي سؤال اللبن الزبادي : اهل منغوليا ؟ لا .. بائع لبن حليب كسدت بضاعته ! تضحك هي . وأنت تضحك. في الطريق إلى بقعتكما المفضلة ، في فجوات الفراغ الصامت التي يثقب الهواء فراغها الصامت، حين يمر داخل السيارة ..الفجوات القصيرات بمقدار الزمان الذي يمضي، الفجوات اللائي لايخشوهن الكلام الثرثار.. فيهن تنشغل مرات بتأمل يزيدهن فراغاًعلي فراغ ، الثرثار الكلام، ذاك فراغ علي فراغ .. انظرعلي الجسر تمر شاحنات وسيارات وحافلات، ومساكين .. وما حكاية اهل القماير؟ شاحنة تصران تتجاوزك، جهاز التنبيه فيه ضعيف الصوت، كانه كان ، ثم وهن .. مثل رجل بدين جداً ، سماعك صوته الخافت، دون رؤيته لا ينبئ عن ضخامة جسده.لحظة فيك فارغة تضحك ها. ها . تمرالشاحنة تتجاوز سيارتك تحمل ورق طباعة .. ثقيل حملها ربما كان ثقل ما تحمله تنوء به، سبب العجز في صوت جهازالتنبيه..الليلة يزف الورق الابيض للالات، تزول صفته البياض بحبراسود وحروف ، بكل ما فيها – الحروف – من اخطاء الطابع والمحررين، واخطاء اخري لا يمكن ان تنسب لمصحح او محرر، ورق يزف الي الالات الهدارات كما تساق الخراف الي المذابح، كانك تري الغرب ماثلاً لعينيك، يوم تبصر بالورق الابيض تفرش عليه كلمات صاحبناالدكتور نصر الدين ، موضوعها واحد كشخص ماء يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي هي .. يا حفيظ ..السامة ، السامة ، السامة. هذا صاحبكم المرح يقول في النادي : أدعو اي فرد منكم للعشاء ولوانه اكمل قراءة مقالة الدكتورنصر .. ها .. ضحكتم كنتم جماعة ، منكم الفاسق بالتصريح ، والذي يريد ان يكون لصاً ويشيد بيتاً من سبعة طوابق ، ليكون مقر سفارة او سفيرلدولة ذات منعة ومال ، ومال لا تاكله النيران .. فاي حلم ؟وفينا من يحرص علي الخمس صلوات ويعتدل للبيرة المثلجة بعد العشاء يقول يحارب بهاالصيف الحار . وذاك الذي امتص دمه حب يائس ، وثلاثة منا جربوا اقلامهم علي رؤوس اليتامي كاتبين في الصحف باختصار : كنا بضعة عشر .. قال احد الكاتبين، كانوا ثلاثة: - اقبل التحدي وامري لله ..عشاء بالمجان ؟ امر يطمح اليه كل انسان في هذا الزمان الصعب. قال صاحب الاقتراح : لثقتي فيما اقول ، عشاء زجاجة بيرة طمع صاحبنا الكاتب في الزيادة قال : - عرض سخي .. قل زجاجتين .. ردد البعض : - الطمع ودر ما جمع .. الطمع ودر .. قال صاحب الاقتراح : - ماشي ، دكتور نصر الدين ممل .. ممل .. وساكسب انا الرهان ! هذا الذي يجول في ذهنك ياخذ من عمر الزمان طرفاً جد يسير ، ولكنه يسحب علي الراس فيغطيه ، هو ما تسميه حشو الدماغ حين يكف الكلام الثرثار . ولتعلم ان اهل السيارت والشاحنات والحافلات ادمغة وفيها فراغ وكلام ثرثار فيها ، وهم انت ، صة ! انشغلوا عنك، ماهمهم من الامر شي سوي هذه التحفة الجميلة (وفاء)يقولون عنها،بعضهم علي الاقل، ماتقول انت ربما عن ورق الطباعةوالخراف، ولكن ايكما الذبيح ؟ واين السلخانة . الرهان ؟ وما شانك بالقماير ؟ وهل اكملت قراءة اي مقالة للدكتور نصر الدين ؟ . صير كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة .. اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ، يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .. ذاك الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاير) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي.. تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله..حكة تبدأ علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو،تظن انك قضيت علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم ..يقولون الاحتواء واء .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " .. قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحو اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها بظفر، وقد تبلغ مكانها بناب،ا وانت اعسر تكون اليد اليسري، او ايمن فباليمني .. بديهي ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها ، ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من العطس انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية ... شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟ . حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي .. والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة مصادفة اتفاقاً كان صوته الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا امرعينيك تكون كارثة لوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا. اول مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت انت .. قال صديقك الطالب في مصر " تغير الهواء " ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها . المصادفة، الاستثناء وصار قاعدة تلتقيان بعدها .. قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي فيفر) نطقتها نطقاً سليماً ، آه يا زمان فورية ، تظنين ان لغة اهله الفرنسية هينة ناعمة ، موسيقي ولحون ، الا انه كان يلتزم خشونة في الصوت حين يتكلم الانكليزية . لات ساعة مندم آه ولي عهد فورية، ومابقي منه الا الاطياف والا الصور .. وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت : نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى الدريس انقضين وسفر الصيف ,تأخذكما النشوة , أو مثلها, لتلك البقعة كأنما هى من صنع افكارك,لاأرض فيها , لاحقيقة لاسماء تظلها, كالتى تحلم أن تشيد فترى .. بقعة على النيل الأزرق قبل اتحاده مع الابيض, بالمناسبة لماذا لاتؤيد هذا الأتحاد ؟ أمر بسيط , حد الازرق من اندفاعه فيما يسمى المقرن , و أستسلم للابيض , ذكر الشعراء أن النهرين تعانقا هراء ما ذاك عناق , أذعن الازرق الأبيض ..لايملك هذه البقعة فيما يبدو أحد, المهم ليس عليها قصر و لازرع ,يريد صاحبها أن يجعل منها شيئاً هو نفسه لا يعلم ما هو .. شيئاً ما .. أقام عليها خفيراً عم حسين عجوز .. ومن غير العجائز يرضى بواد غير ذى زرع ؟ يغمض عنكما جفنه , يحب السجائر أشد حب , علبة ربما علبتين يقنع بهما ليغمض الجفن عنكما , (أنا مكلف بالصوص فقط ) يقول هو وتقول أنت : و ما يسرق اللصوص ؟هذا الفضاء? ام ماذا ؟ ويستطرد عم حسين " كلاب الحراسة نفسها لا تقاوم الرشوة ، تصور قطعة لحم ، احياناً انثي ها .. ها " لم يكن زوج وفاء ثرياء ليس مهماً مهما كان وظيفة سمينة في ميزانية الجامعة ، غسل الامل الامل عقلها بل محاه محوا حين تقدم لها نظرت لكل شئ يعيني امها، تراجع نفسها الان بل هي تسترجع طرفا من اطراف" قدرت فيه العلم ساعتها" تقول آه انك تتحدثين كانك دولة .. تسرف في الحديث عن تكريم العلم والعلماء والمبدعين تقول لها : هنالك علم فوق الثري ودنيا ارحب تحته ليس هنالك فائدة طالما ان المتنبئ وانيشتاين ولوركما وكرومة تحت الثري .. عرفت الان ابطالك الاثيرين ! كان معيداً في الكلية ، رجل معمل انابيب اختبار مساحيق ، في الوطن كما في الغربة ، الفته المناضد والمكتبات عذب الورق عذاباً اليماً سمكة في بحر الجامعة الاجاج .. تصور كل هذه المنعة في الماء حتي اذا خرج الي اليابسة مات اختنق ومات ، اختنق ومات، (الست بعض اليابسة ؟ بل انت كلها ) ومنك السؤال والاجابـة تقول لها : اسميك اذن انبوبة الاختبار.. ماشي تعرف عصمت رجل منظم جداً حتي الان يحلق راسه عند حلاق واحد اعتاد عليه منذ كان تلميذا صغيرا .. امس كان يحدثني عن المرايا حين كانت تجلب من اوروبا قال عند هذا الحلاق كانت المرايا بلجيكية ولكنها استبدلت الان، ربما تهشمت. ربما قصد تشيكوسلوفاكيا .. قال بلجيكيا لانه لا يحب كان واخواتها .. ومن هن ؟ تشيكوسلوفاكيا واخواتها اهلات الشرق .. اذن فالجهات الاصلية عنده ثلاث ضحكت وهي ترد : والفرعية ايضاً ! غرب وغرب وغرب ، وغرب ، وغرب وهلم جرا !. نعود للمرايا ، قال انه علي ايام المرايا البلجيكية كان شعر الراس يظهر عليها شعر راس .. والانف الافطس تظهره انفاً افطس والفك فكاً والشارب شارباً و.. يعني تقول المرايا – ايام صباه للأعور : انت اعور. طبعاً كان شئ زمان ! الا تري اليوم ان العيون في المدينة اسمال عيون ! قال ايضا يصنعون المرايا اليوم في المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري .. نقطة نظام ابن عمتي عنده مصنع في امدرمان وصار ثريا بما غنم من بيع المرايا. طبيعي كل انسان يريد ان يري نفسه ، والمرايا تحقق له هذا ! المهم قال ان مرايا اليوم تظهر الانف الافطس انفاً غير افطس ‍! والفك فكين، والشارب ثلاثة شوارب وعسل العيون يظهر علي المراة كزيت البذرة !. هذا نادر الم اقل انه عالم بدون شك .. ومحدث لبق ثم تعود له سخرية حارقة كلما تطرقا لموضوع زوجها يقول: اليسوا هم اهل الاختراع ؟ انت غبي .. هم الذين اوجدوا الحاجة ! ينذره تعليقها يستدرك قائلاً: ابدا سمعت ان عبقريا لم يدخل الجامعة قط قد اصطنع جنساً من النمل الالكتروني .. نمل ابو ريش،ولكن ليس له ريش ! ولدغته لاتؤلم غير غيرانها تصيب الرجل بالعجز تقعدهم عن الجنس ، وتدفعهم لطلب المعالجة واللهث الحثيث وتمنح النساء خصوبة مطلقة ، اني ارشحه لجائزة نوبل. نوبل لا ينالها الا من اسعفه الحظ فطرد من بلاده ليصل الي امريكا بتذكرة سياحية ! ومثل عصمت لا يطرد من اي بلد لانه لا يري مايراه الناس .. والاكم عنده دائماً صالح ، اني اعرف هذا النوع تماماً . اسلم النيل الازرق روحه حين صالح الابيض صلحاً افقده لونه وعنفوانه لهذا كانت تلك البقعة علي النيل الازرق المستقل مكاناً فريد الحسن اذ هي تقع قريباً من مكان خسر النهـر حريته فيه . تحس ان الحياة فيما يعلو الجروف شئياً ، الصغير ياكل الكبير، من المنتصر من الخاسر ؟ علاقة غريقة بين الشط والنهر يظن الاهلون ان الشط يمنع عنهم غضبه النهر ، وواقع الامر ان هذه الامور وضعت باتفاق ازلي والاهلون لا يعلمون فالنهر يعلو بقدر ماتحتاج الشواطي من خصوبة وحياة ، وهو دائماً يخشي ان تنساب مياهه علي الصحاري فتعود تلك تبادله غزوة بغزوة، فهو حين يضمن للشطآن مايكفي حياتهاالخضراء يكون ضمن حياته ايضاًاذان خضرتها دفاع مستميت عن وجوده العذب، وقد تفقد الشطئان طرفا من ارضها تقدمه كعذاري وفاء للنيل،هذا بعض ضريبة البقاء بل هو بعض ادخار اذ حين ينحسر يعيد للشط ماكان شطاً ليكون شطاً وعليه طمي وملح وشباب يتجدد هنا وهناك ، اخذ وعطاء الصحراء فكلا الف كلا ، لها الريح والشمس والقمر .. تمنحها الشمس والقمر الضوء والنظر الممل والحريق ، وتنشر الريح رسالتها الرملية ذرات اخذ وعطاء هل انت سعيد ؟ وهل اعطيت لتأخذ ، ام هل اخذت لتعطي ، وهل تفعل ما تفعل لانك تجد راحة لا تجدها في بيتك ! افضل الا تتحدث عن بيتك ! وانت حين زوجت رجلاً ما كان حين تقدم اليك في نظر امك الا وظيفة سمينة " وانت بحمد الله في سن الزواج " كان عمرك ساعتئذ ثلاثاً وعشرين سنة .. حديثة التخرج في الجامعة " معليش لا نريد ان تذوق من رزقك الان بحمد الله ابوك يعمل والحال ميسور " تريد ان تزوجك سريعاً " وهو شاب مركزه ممتاز ، استاذ .. الجامعة" النحلة الطنانة صوت امك " من اسرة يهني عريقة "اي مذهب للعراقة يعتنق اهل المدينة اليوم؟ زمان كانوا ادق اختباراً، يتبعون اصول الاسر الي العباس عم النبئ ، كل عائلة ويتصل نسبها بالعباس او تنحدر من الشريف فلان والسيد علان تتذكرين ، وكان بالمدينة سادة ونقيض هولاء ، النقيض هذا من بعض ما رايت انت من اهل ذلك الحي مشابهاً ، وبعض هذه الانحاء صارت تقنع بفقرها لا تريد ان تتمرد عليه ، كالنيل الازرق ذاك الجميل الذي اذعن ..قنعت تلك الاحياء بتاريخها، كقول سراة القوم " ياسلام امدرمان القديمة "وهل اتي اعجابهم هذا باللبن للاطفال؟ وهل اكل اهلوها السمك والفراخ ؟ او كقول بعض الخواجات " اه انا نحب امدرمان جداً لا نها اصلية .. اما الخرطوم فانها مثل اي مدينة اخري ، بالمناسبة هل تعرف بيتاً للايجار هنالك يعني في الملازمين مثلاً او علي الشاطئ !" وهل تسر المدينة لمثل هذا الكلام ؟ ام هل امكن للرجال التعساء ان يفدوا اولادهم بذبائح في العيد الكبير ؟ صـه !. رحلة وطويلة قطعتها بالمثابرة والشوك والعذاب وغير هذا ، زمان وانقضي ، تذكر ذلك التحول المذهل في حياتك يا ابن المامور .. تذكر كيف جاءك يوم لبست فيه عيونك عدسات الحقيقة لم تعد تفهم بعده – كابناء الافندية – ذاك الهيكل الوظيفي الذي تسير عليه البيوت ، رب البيت ، ربة الدارالابناء والخادم خادم، ياتي للبيت او ان الفجر يكدح يمسح ينظف لحين ان يهبط المساء يعود ادراجه لكن الي اين ؟ من اولئك من كان يطمح للتعليم ، يدرس في المساء مثل هذا ترغبون عنه لانه ينصرف للدرس قبل حلول المساء ، اما المـدرسة واما العمل ، من يريد عملاً فعليه ان يقنع بجهالته ، مرة ما جاء الخادم في الموعد المعلوم ، اذهب فتش عنه ، اعمل حسابك انه يسكن حياً ليس كحيكم .. اليوم يوم الغسيل والبيت مترب يحتاج نظافة ، والبيت كله اشتعل غباراً ، وناس سالم افندي معزومين عشا عندنا .. ذهبت غير مقتنع، سالت . سالت فأرشدت هاهي امامك اشباه بيوت اقزام بيوت، ليس فيها من مقام فتسميه بيتاً ، نصق سقف هنا ، وهنا طرف جدار ، معزات هزيلات ، دجاج نحيل ، اطفال يمشون يا الله الله مثلما هم نيام وهزال ، وسالت وسالت فارشدت لقيته خادمكم مريض وقد كان نشاطه في العمل ينبئ انه سيظل علي حاله ذاك الي ما شاء الله واليوم ليس كما عهدت ، هذا نوع من البشر ان طرح جسده علي مرقد فارقته العافية ، ما كان اسمه ؟ لا تذكر الزمن طال لكنه لم يعد الي بيتكم ابداً ربما مات او تمرد او التحق بمدرسة ليلية .. ربما .. ربما. تسالها اي السحاب الممطر ؟ ترد : الذي يحمل في طياته الماء !! هذه هي اللعبة التي ترتاح اليها ، تسالها فتجيب اسئلة تتسم بالغرابة والفجاءة . من هو طاغيتك الاثير؟ . جنكيز خان عصره بعيد هذا اعني طاغية مودرن ! مسلم ام نصراني ؟ . ليس مهما كل طاغية كافر اذ كل دين هو الانسان . تفكـــر قليلاً ترد : فاجاتني تماماً ، علي كل انتخب شاه ايران وسوموزا . فيك الخير . كفي الليل لا يحتمل اكثر من اثنين !!. فيك الخير . اذن الثالث النيل الابيض لانه ابتلع الازرق اخاه . شاه ايران وسوموزا . الشاه وتعرف امراة اما سوموزا فلانه ثقيل .!! زوجك طاغية العصر ، لان حزبه واحد هو نفسه ، وهو الصمت والاستغراق فيما لا ينفعك انت جمع حوله قداسة العلم ان شئت الصراحة الدقيقة عزلة العلم الوحشة عبقري قالوا تذكره انت ايضاً كان يسبقك بسنين في الجامعة ، تذكر صورته ، من ذلك النوع الذي تتحمس الجامعة لتبتلعه في جوفها البارد صيد تؤهله الطبيعة لها، مثلما الغزلان في الغاب تعدلاجواف الاسودواقوياء الحيوان .. فصيلة هو منها من صنوف اسماكها ، فيها صغير وكبير بلطي وخريش وكبروس ، وفيها القرش الكاسر ونظام بديع ، بديع حقاً لاننا نقبله. كنت تحلم ان تلتقي وفاء في موعد ليس يقاس بزمان ، في مكان ليس يتسم الا بانه لا به في خارطة ، لا يوجد في القارات الخمس اللائي جعلن للجغرافيا اساتذة زائرين.. وقاعات درس. وماذا لو عثروا علي السادسة الضائعة ام هي الغارقة في ماء الزمان ؟ . ليس مهما سيكون فيها عين ما في الاخريات ! نساء حائرات وسلطان جائر ! تقول لها وترسم صور لما تريد ، اذ صارت وفاء قسماً من متعة اليوم وعذابه معاً اليك تعود افكار الخيال اليائس الرهيف .. ينتقل اليها مثلما هي تقرا ما انتن فيه تقول باسمة وقد قرات افكارك : هل انت علي وعدك في انشاء دولة الملح؟ تقفز من التامل تصيح : قطعاً لن يدخلها مرضي ضغط الدم العالي .. ضحكت واستانست بلهو الحوار وترد : وانا انشئ دولة السكر ..  تقول ونجتمع انت وانا بحق الجوار .

البحث عن نهر قديم
 من كتاب الشاطيء الثالث لإسحاق أحمد فضل الله
السيد القاريء كنت أعلم أني من قدامى الضالين المضلين عند وزارة التربية والتعليم وأن المعركة بيني وبين الوزارة قد بلغت [أننا لأول مرة في تاريخ هذه الوزارة نفتح الملف (جيم) لواحد من العاملين بها حيث أن جميع المكاتبات التي تخص هذا المدرس في ملف واحد يجعل الملف غير قابل للحمل والتداول] أو كما قال هذا الباشكاتب الذي يغضب لوزارته وهو كما ترى نوع من بقايا تلك القبيلة الصلعاء المنقرضة التي كانت تؤمن بأن العمل مقدس.
وأحلف أن هذا الباشكاتب نفسه هوالذي كتب الخطاب الذي بين يدى الآن والذي بلغ من حماسه ـ حماس الباشكاتب ـ أن جعل منزلي أول منزل في السودان يستقبل خطاباً بالسركي الحكومي ومن ورائه (مراسلة) حكومي (مائة في المائة) ويلبس بدلة رمادية.
كان الخطاب مهذباً بارداً مثل (الموس) الجيدة تخرج كلماته من تحت الأضراس المعضوضة في حنق والعين الحمراء المترصدة. وكان الأمر كله ينبيء أن الوزارة تقدم مبرراً ـ مجرد مبرر ـ لجريمة توشك أن ترتكبها وأن الوزارة العجوز قد قررت أن تخنقني "خنقة" تخيف "حلوق" المدرسين الى يوم القيامة.
ولك أن تتخيل دهشة الوزارة وهى تراني وبدلاً من أن أرفض النقل كالعادة وأعتصم بالمنزل أجمع ملابسي من الحبل ثم أقفز في لوري "قسم السيد" الذاهب الى تمبول ثم هى تشهدني العشية فوق ظهر جمل ظللت أهتز فوق سرجه الخشبي ثلاث ساعات حتى ظهرت الدمامل المائية في أماكن لايمكن ذكرها هنا.
وفي الصباح الصبوح كنت أقف مع أستاذ حامد وأستاذ الضو والناظر عيسى نشهد طابور مدرسة القحيفات شرق الابتدائية وفي الطابور ست وثلاثون طالباً بالضبط هم مجموع تلاميذ المدرسة عدا التلميذ الحسين محمد ود حميدة من حلة (المطيرق) المجاورة الذي كان:
ــ "محموم ... يافندي" ...
وكل واحد هنا يعرف كل الآخرين.
لكني شهدت طابور اليوم التالي وحدي تماماً حيث غاب أستاذ حامد في زيارة مهمة للمستشفى في الخرطوم والأستاذ الضو في موضوع يخص والدته المريضة، أما السيد الناظر فقد غاب دون أن يقول أي كذبة.
ومن مكتبي نظرت إلى الساحة الرمادية الممتدة أمام المدرسة ومن ورائها شجيرات السنط وعشرون من الحمير الغبر تقف في صبر شديد تحت الشمس تنتظر تلاميذ (السريحة) و(عد الضان) و(مطيرق).. وعرفت أن ذلك الباشكاتب الأصلع سوف يضطر قريباً إلى فتح الملف الرابع.
ــ الجرس يا فندي؟!!
كان الجرس المنكفيء أمامي على التربيزة المرتفعة يرفع قبضته الخشبية بيني وبين الوجه الصغير الذي تبرز عيناه وأنفه الدقيق من وراء التربيزة الخضراء والتي التصق بها الوجه تماماً وأومأت برأسي موافقاً.. وفي الحال اختفى الجرس من مكانه وسمعت صلصلته في الخارج ولكثرة ما سمعت الجرس أصبحت له عندي لغة فصيحة أفهمها فهو يتردد مرة هادئاً ناعماً مثل المجداف في المساء الصيفي ومرة يهرج هرجاً لهوجاً ... ويصطرخ مرة كأنه قفز فوق بساط من الجمر الأحمر اللاهب... وكان رنينه الآن يتتابع في أناقة ودلال وبال رخي.
وعاد الجرس إلى مكانه والوجه أيضاً إلى مكانه ملتصقاً بالتربيزة والعينان ترسلان من وراء الجرس فضولاً صريحاً إلى وجهي وتجاهلته برهة ثم..
ــ اسمك؟
ــ الحسين يافندي، الحسين أحمد ود حميدة.
ــ آه أنت كنت مريضاً أمس؟
ــ نعم يافندي.
مثل كل التلاميذ هنا كان نحيلاً ضئيلاً دقيق العظم مثل طائر برأس مكور يتوازن في دقة فوق عنق رقيق ووجه لم يشهد الماء هذا الصباح وفي العينين الفضوليتين نشاط محبوس يئز أزيزاً لينطلق ملتهماً كل شيء كأنه كان يعرف أنه لم يبق له في الحياة أكثر من أسابيع خمسة.
ــ أنت من هنا؟ ... من القحيفات؟
ــ من المطيرق يافندي... عندي الحمار الأخضر... ذاك..
وأشار في فخر إلى حمار يستحق الفخر تماماً.. وجدتني أنتبه إلى التناقض الشديد بين هذا الحيوان الذي يتفجر قوة وضخامة وبين صاحبه الهش الدقيق والذي كان يدعوني إلى الحديث وقبيل أن يخرج كنت قد عرفت نصف أخبار القرى الأربع التي تمدنا بالتلاميذ والحمير.
وضحك الأستاذ حامد الذي غاب أسبوعين حينما أخبرته أني كسبت صديقاً.
ـ بهذه السرعة مبروك من هو؟
ــ الحسين ود حميدة...
واختفت الضحكة ولمحت نظرة قلق خاطف في عينيه وبدا كأنه يريد أن يقول شيئاً ثم عدل عن ذلك ولما رأى نظرتي الثابتة المتسائلة قال في خفوت وهو يحاول أن يعود إلى ضحكته:
ــ على كل حال أتمنى ... أعني مباركة ياسيدي الصداقة الجديدة ... أين الولد الفراش؟ هل جاء بالفطور أم نسي كعادته. أظنك اعتدت الآن على إفطار منتصف النهار؟
ولكن الناظر كان صريحاً ومباشراً حينما أخبرته بما جرى...
ــ الولد الحسين هذا غير عادي أهله كلهم عاديين أعني أمه .. فإنه لا يوجد غيرها.
ــ كيف ... غير عادي ...؟؟
ــ يجلب المصائب... بصراحة إنه مشئوم تماماً ... كل الناس يعرفون عنهم ذلك هو وأمه...
وأحسست بالنفور من كلامه وبغضب يزحم صدري فجأة وطوال فسحة الفطور كان الناظر وحامد يمطرانني بحكايات لا تنتهي عن تاريخ الحسين وأمه .. كيف أن شهرتهم هذه جعلتهم معزولين تماماً عن الناس وقال الناظر في قسوة غير مبالية:
ــ إنها تستفيد لأقصى حد من هذه الشهرة في السوق فكل من تقف أمامه من البائعين يسرع بإعطائها ما تشاء لتبعد عنه حالاً .. ثم أضاف وهو يخرج للحصة الثالثة كأنه يعتذر...
ــ أنا شخصياً لا أصدق كل هذا الحديث إنهم مساكين.
وفهمت لماذا ظل الصبي يحرص حرصاً عجيباً على سلوك مزدوج في تعامله معي كأنه يخفي صداقتنا عن الناس ... كان يلبس سلوكاً رسمياً صارماً حينما يجد معي رفقة .. ثم يجدني وحدي فيشع وجهه بتلك الإبتسامة المضيئة الصريحة التي لايستطيعها إلا الأطفال؛ إلى أن دلفت ذات مغيب إلى أحد الطرق الضيقة فوجدت كوماً من الصبية ينهالون في قسوة شديدة على صبي قد جثا على ركبتيه وأنشب أسنانه في ذراع واحد منهم. وتفرق الصبية عند رؤيتي وظل الحسين جاثياً على ركبتيه ينظر إلى بصورة غريبة.. وكان واضحاً أنه حزين لأنني رأيته على هذه الحال. وفي الصباح قال الناظر:
- إنهم يضربونه.. دائماً.. ذاك أصبح عادة.. الكبار والصغار يضربونه.. هل لاحظت أنه يجفل غريزياً كلما اقترب منه أحد؟!! لقد كان يأتينا شاكياً كل يوم ولكن ذلك انقطع منذ مجيئك المبارك. وقال حامد:
- لعله لايريد صديقه أن يعرف كم هو مكروه.
ولم أنتبه رغم كل ذلك إلى أن الحسين كان يعيش في فزع من أن أسمع روايات الناس الرهيبة عنه وعن أمه التي لم أرها أبداً، وإلى أنه كان يجهد رأسه المكور وهو يتفحصني خلسة محاولاً أن يعرف إن كنت قد زحزحته عن المكانة التي اختلسها في نفسي قبل أن أعرف سيرته المفزعة.. ولعل شيئاً من الشك كان قد تسلل إليه فقد كان يبحث عن شيء.. كان يقاتل في استماتة للإحتفاظ بالصديق الوحيد الذي وجده أبداً.
كان قد اعتاد أن يأتي في نهاية اليوم ويلتصق خلف النافذة من الخارج ويحرص على أن يظل ساكناً يرمق أستاذ حامد والناظر في حذر. وكان هو التلميذ الوحيد الذي يملك حماراً ولا يشترك في السباق اليومي المثير..
وكان يقف في مكانه ذاك، والجرس يصلصل في مرح طويل في نهاية اليوم. ووصلت إلى أذني الأصوات المعتادة ودبدبة اثنين وسبعين من الأقدام الصغيرة المتدافعة والصراخ والضحك واصطفاق الأبواب والنوافذ.. ومن مكاني رأيت الحمير تدور في مرابطها في هياج والتلاميذ يتدافعون نحوها في بداية السباق اليومي الطريف كان بعضهم قد وصل إليها فعلاً واعتلاها وظل يدور في مكانه ليعطي فرصة أمينة لبقية المتسابقين.. وتدافع الذين لايشتركون في السباق من النوافذ وحامد يتكلم كعادته بلسانه ويديه وجسمه كله ويجعل الضحك والإثارة تغمرك غمراً.
كان السباق قد بدأ فعلاً حين التفت إلى الحسين الواقف تحت النافذة وصرخت دون وعي:
- ألا تشترك في السباق يا حسين؟ لديك حمار جيد.
ولمعت عيناه فجأة وكنت قد نسيته في اللحظة التالية وأنا أتابع السباق حينما لمحته منكباً على الحبل يحاول أن يطلق حماره ويعالج العقدة التي جعلها هياج الحيوان القوي، صلبة تماماً؛ يلهث وأصابعه النحيلة تنغرس في عقدة الحبل المتوتر. التفت نحوي في لمحة سريعة ... وعلمت في لحظة أنه يقاتل الآن كل الدنيا حتى لا يتحول استعراضه الى هزيمة محزنة.. وأحسست بانقباض شديد وأنا أراه قد قوس جسده النحيل إلى الأمام وغاص في جلبابه المنتفخ وبرزت مؤخرة رأسه المكور فبدأ مثل طائر غريب.
انفلت الحبل فجأة وأكبر الظن أن الحيوان القوي قد تمكن من قطعه، ورأيت طرف الحبل ينتفض في الهواء منثنياً مثل الحية المهتاجة.
كانت مجموعة المتسابقين المتزاحمة المندفعة قد أثارت سحابة سميكة من الغبار وقريباً من النافذة اندفع الحيوان المتفجر قوة ونشاطاً والحسين قد لف ساعديه حول العنق وهو يحاول أن يصل بقدمه إلى ظهر الحمار والقوائم القوية تلطم جسده في تتابع عنيف والجسد الهش يهتز ويرتجف ثم ينفلت ويختفي في الغبار. للحظات تعثرت الحوافر الصلبة فوق الجسد ثم رأيت الحيوان يعتدل ثم يندفع في قوة هادرة وهو يهز ذيله وينهق ... ومن موجة الغبار انفلت الصبي وقد استماتت يداه على الحبل والحيوان يجره وراءه دون جهد. كان قد جمع يديه والحبل الى صدره وبدأ كأنه يمسك الحبل بأسنانه ورأيت الجسد ينقلب مرات ويصطدم بنتوء فوق الأرض صغير ورأيت الجسد يستطيل مثل الخرقة الثقيلة المبتلة، والحوافر الهادرة تكيل عليه الغبار واللطمات في اندفاعها المجفل.
لا أحد يذكر كيف حدث ذلك كله في لحظات ... ولكني شعرت في اللحظة التالية بالأرض تلطم وجهي بقوة وأنا أسقط خارج النافذة وحامد يجري في جنون وهو يزأر بشيء غير مفهوم، ورأيت أجساداً وتدافعاً ولا أعلم حتى الآن أى قوة هى تلك التي أوقفت اندفاع الحيوان المجنون.
ولكن كنت بعد لحظات أتابع أيدي كثيرة تحاول في عجلة واختلاط أن تفك الحبل الذي كان قد جمع الذراعين النحيلتين والعنق الدقيق في عقدة التفت مرات ومرات.. كانت الأصابع مبسوطة ومتشنجة والوجه مختلطاً كله تحت التراب وشيء من البلل وخيط غليظ من الدم ينحدر من الأنف.. وحين امتدت يد ومسحت الوجه انفلتت دمعة من تحت الجفون المغمضة وانحدرت قليلا تجاه الأذن ثم توقفت هناك.
دفناه بعد العصر ... الحلة كلها خرجت وراء النعش كأنها تعتذر ....
أمه سارت وراء الناس حتى القبر.
عزيزي القاريء..
أكتب إليك الآن لأن السيد الجالس هناك لن يقرأ خطابي هذا فهو قد أقسم ألا يسمع مني شيئاً بعد الملف الرابع، ولأنني كذلك لا أستطيع أن أقول له إنني أطلب نقلي من هنا لأن الحسين قد ذهب.
"ومن يكون الحسين هذا ياهذا ؟؟!!"
أكتب لك وحقيبتي بجانبي وكان آخر ما وضعته فيها كراسة كتب على ظهرها مدرسة القحيفات الابتدائية ... اسم التلميذ الحسين محمد ود حميدة.

 كرسي البلاستيك
عبد المجيد عليش
مثل كل صباح..على كرسي البلاستيك ..جلست.. في موعدك الباكر ذاته.. مثل الساعة الدقيقة أنت.. مُنضبطاً منذ أيام العمل والمكتب..وإنضباطك موروث مِن خالقي الإنضباط ذاتهم.. مِن الإنجليز..قهوة الصباح والراديو أمامك و باب المنزل نِصف مفتوح ..كما اعتدت دائماً.. تُرهِف السمع للأخبار المحلية.. أخبار الوفيِات..هاهو تحفزك يزداد ودقات قلبك.. نعم تزيد..لكن ليس نذيراً.. بل ترقب:
(توفى الحاج شرارة الاصيل..والد رجل الاعمال بِسوق ألاوراق المالية..والد الدكتور والمهندس..وتوفى حسن حسون..شقيق المقدم عطا بالخارجية وبالمليشيا الشعبية وسيُقام المأتم بالخرطوم وبقرية الباسة..وتوفىصهر اللواء الركن المدير السابق للمُؤسسة العسكرية الاقتصادية.. ووالد المقدم سعاد بمباحث الأمن ألقومي..وحسن بالحفريات والآثار..ونجاة سعد وسعيد بالإمارات وألسعودية وألكويت وأمريكا وهولندا و..)
وُتغلق الراديو..ترقبك الكبير فيه شيء من انكسار..خلق لايعلم بها إلا الله.. من أين جاءوا ؟ أسماء لا أول لها ولا آخر..أسموها بعضهم..وأخذوا يشترون الأراضي ويبنون البيوت ويلدون أولادهم في أمان الله وكأنهم أهل هذه الأرض أصلاً..! حتى موتاهم..يدفنوهم ويقيمون المأتم ..! كانت العَائِلات معروفة بالاسم..كم اسم منهم عرفت الآن ؟ ولا واحد منهم لم تعرفه! لكن..(حسن حسون) هذا.. هل يكون هو ذاته ( حسن حسون) بتاع التجارة والتموين ؟ لكن ألم يمت ؟ لا..لا..ذاك ( حسن بشير ) ايوه..كان في التعاون والتموين..رحمة الله عليه ..أكل الوزارة أكل تمام وأخذ المعاش وتاب ومات..أذكر أنهم قالوا إنه وقع في الحمام..دعك جسدهُ بالصابون ..قبل ما يغسلهُ بالماء وقع..ايوه حدثك بهذا..(حمد الامين ) عند دفن ( حاج السنوسى الفاضل)…لا..ليس عند الدفن..انت لم تحضر الدفن أصلا.ً.فهو مات ليلاً..وأنت تنوم مُنذ الثامنة..بعد نشرة (بي. بي.سي) مُباشرةً..لم يُكمِل في المعاش السنة الأولى..مثلك بالضبط..وطلع من الدنيا كلها.. والغريب أن (على الماحى) صديقه الروح بالروح..والذي قالوا إنه بكى عليه وصرخ مثل النسوان..كان طلع على المعاش معهُ في نفس السنة.. وبدل معاشه وبقروش البدل فتح له دكان في بيته ..إمرأته دخلت عليه بشاي الظهر وجدتهُ منكفئأ الجريدة في يده و(السفة )في شفته..هل كل من ينزل المعاش يموت ؟ ما هذه الوسوسة ؟ ( خليل عبد التام ) الذى سف الإصلاح الإداري سف تمام..وكون نفسه..وبعد ذاك طلع المعاش وتاب وحج البيت..قضى في المعاش خمس سنوات كاملة حتى مات ..أذكر أني قابلتهُ في عقد بنت (المرضى السيوفي ) وكان معه نسيبه بتاع وكالة السودان للأنباء..والذي كان يقوده من يده هو ابن أخته اللي أخذ بنته طوالى..وذاك الاخضر العاتي الذى سلم عليك باسمك ولم تعرفه..من هو..؟ يكون ياربى..عديل ( التوم نقد ؟) ولا ( ولد جبارة ) عبد ناس المجمر ؟لا..لا ليس هو يا أخى..ضعفت ذاكرتك وتشابهت عليك الأسماء..زمن .
قهوة الصباح..طعم البن المنُكه بِتوابل مضبوطة بِمقداَر معروف ( للحاجة )معرفة الزواية التى يعتدل فيها مزاجك ويجيء رأسك عندها تماما..طعم البن المر يسرى في لسانك ويجرى لِداخل ناَفوخك..و الفنجان الثاني مع الصفحة الأولى من الصحيفة.. تعرف أنها مثل أختها الصادرة امس والصادرة غداً مرات تُفكر مأخوذاً بالعزة أن لا تقرأها..لكن الإنسان كوم عادات لا فكاك منها.. من قال هذا.. خواجة طبعا..(مستر رايت )..مؤكد هو على المعاش الآن..الخواجات مُعمرون جداً .
تُحرك خرطوم الماء من الشجرة الأولى للشجرة الثانية..بعد الصفحة الأولى .. نفس الكلِمات والصور..كل شيء ثابت عند هذا الجيل.. يمكن أن تكتب صحيفة الأسبوع القادم ولن يحدث شيء..أغلب أقاليم البلد عملنَا فيها لكن ،شِهادة لِوجه الله ،مثل هذا لم نرَ ولم نسمع..كيف يكتبون مقالاً طويلًا عريضاً عن انتشار الثعابين في مستشفى وكأن لاشيء..!؟ مجرد مقال !؟ دكتور ( ابو جمعة ) ،رحمة الله عليه، طرد طبيب و حكيم باشا وممرضأ..لِمجرد أنهم أعطوا مريضأ حقنة بنسلين قبل كشف الحساسية ..! أيام كان للإنسان قيمة..! الآن ..ماذا يحدث..!؟ لاحول ولا قوة إلابالله..!أنت بالذات ماذا يحدث لك لو لا قدر الله داهمك الضغط ..لو دخت فجاءة..؟لا يهم.. أخذنا حظنا مِن الحياة والعمل عملناهُ لهم.. وعرقنَا عرقأ طاهرأ.. لقمتنا ما فيها ذرة حرام و أهو خلاص أنزلونا المعاش..مالنا بهم..لا ننتظِر مِنهُم خيرأ..يالله لِم هذه القهوة غير مضبوطة هذا الصباح ؟
آه..هاهو خرطوم الماء ينقطع تدفقهُ..كل شيء ينقطع في زمانهم هذا وفجاءة دائماً..كل شيء يتم بِسرعة عجيبة..يكون ابن آدم في أتم صحة وعافية وفجاءة يتضايق..يلتف حوله أهله ..ويجيء الدكتور الأول ويوصي بنِقلهُ للمستشفى..نذهب ونعود.. تعبان.. تحسن قليلأ..مات..ندفنهُ و نعود..! مالك تُكثر التفكير ..حالك أحسن من غيرك..بيتك مِلك حُر وعِندك العربة والأولاد غرست فيهم كل الفضائل..تحمد الله..لا سرقوا ولا زنوا ولا لآطوا..ولا دق أحد بابك يوم يشكي منهم..أصغر بِنت عندك خلَاص حا يستلمها ابن خالها أول ما تخلص الجامعة..رغم كل شيء الحمد لله
هاهو ابنك الأكبر يخرج متأخرأ..للعمل.. ليس مثلك أبدا محال أن يكون موظف مدني بهذه الهيئة ..قميص أصفر و الكولونيا وذاهب للمصلحة !؟ عمل أم عرس ؟ أيام .. أيام كان للموظف هيبة أصلية وليس بالكولونيا
هاهو يخرج العربة ..لن يتركها لك ..أحياناً تأتيه عربة المصلحة..لكنهُ متأخر اليوم..ويمكن أن يكون عنده شغل..! شغل !!؟ هل هذا جيل شغل ومسؤولية..؟
-صباح الخير ياحاج
-الله يصبحك بالخير يا ولدى
-سمعت أمس أن على رمزى يس توفى
تقف مأخوذاً..هاهو يبتسم إبتساَمتهم التى تعرفها..اضحك..فلن تعرف رجالاً مثل ألمرحوم..رجل يشهد الله ..حافظ الخدمة المدنية كلها في رأسهُ..العلاواَت والترقياَت اوامر ألنقل ومجالس ألمحاُسبة كل حاجة حفظها في رأسه .
-سمعت امس في اخبار الساعة عشرة.. والدفن كان بالليل وأنت كنت نائم .
أيوه ..كنت نائم..مات على رمزى يس وأنت نائم..ولو قلت له اترك لي العربة لأسارع للعزاء سيضحك..تعرف هذا الجيل جيداً.. الأصول يسمونها تقليدية
يمينك تسبقك لمِقبض الكُرسي معاوداً الجلوس ببطء ،رحمة الله تغشاه، علم من أعلام الخدمة المدنية.. ورثها هؤلاء..ماذا يعملون الآن في ألمكاتب..؟ اهم شيء عندهم الفطور وبعدين الجرائد واخبار الكرة ..وقِلة الأدب مع البنات..احمد الله على نجاتك وخروجك للمعاش قبل تحرر المرأة و دخولها ميدان العمل ..كل واحد يحب اثنين..ثلاثة مِن اللي معاهُ في المكتب ولما يجيء للزواج..يجرى على بنت عمه و خالته.. حتى الدوسيهات والتقارير( يفروشوها) للإفطار..ايوه حدثني (عبدالحافظ محفوظ ).. كيف يعاشر هذا الجيل الغريب الذي لا يُحسن شيء ؟ وسبحان الله صبر لِقراءة صفحة فى كتاب ما عندهم وبكل جراءة ونفس مفتوحة يتصدون لكل المواضيع وباستعداد تام للإجابة..أضحكنا ( التلب الطاهر) لما حكى أن أولاد ( الشيخ ) ألمليونيرات إعتنقوا ألشيوعية.وصفق يديه وقال يأكلون أحسن أكل في أمان الله وساكنين ألعمارات وراكبين أفخم ألعربات في أمان الله وشيوعيين في أمان الله..وحاج( الامين سعد مبارك ) قال ان أولاده أطلقوا الذقون ولبسوا (جلاليب) شديدة القصر.. عبادة حولت كل شيء إلى حرام..ما الذي يريدني الأولاد ان افهمه ؟ معقول يا أخوانا أكون كافر سبعين سنة دون ان اشعر ؟ و(العجب الفاضل ) قال له احمد الله انهم بجانبك..اولاد المرحوم( الجندى) باعوا حوش الجندى الكبير وهاجروا للسويد واخذوا جنسية..وحتى ولدى المهندس اللي صبرت عليه الأعوام لأرفع به رأسي وسط الناس مصمم يطلع.. اقول له خليك هنا.. يقول لي (اين هنا ؟ هنا مافى حاجة ؟) احمد الله انك شايفهم..وعندك من ينزلك القبر ويأخذ الفاتحة عليك
-صباح الخير..ياحاج
يا ساتر..هذا إبن جارك التاجر..انت لا تحبه..منزلهم امامك..طوابق وكم عربة..هاهو يخرج عربته وينطلق وكأنهُ في سباق.. هاهو ابوه يشير اليه..الظاهر انه كان يريد مِنه ان يستمع اليه! لِم هؤلاء التجار دوماً على عجل..؟ كبر الرجل وكبر السوق وكبرت التجارة فأرجعوه للبيت..لكن كيف كبرت تجارتهم بهذه السرعة..أستغفر الله يقال أنهم يُتاجرون حراماً في العملة..استغفر الله
هاهو..يتلفت متحيراً..يُحييك..تدعوهُ لِفنجان قهوة..يتقدم نحوك متمهلاً..يتنهد وهو يجلس على كُرسي البلاستيك الثاني تصب له القهوة.. حتى التجار يحالون للمعاش..سيحكى لك وستحكى له عن الدنيا والناس وعن على رمزى يس وعن ال..